تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاهيم القرآن — صفحة 115

مساهمون:

ص١١٥
التسليم للَّه في فرائضه وعزائمه وحده . ولأجل ذلك كتب الرسول إلى قيصر عندما دعاه إلى الإسلام ، قوله سبحانه : « قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بييننا وبينكم الّا نعبد إلّا إياه ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون اللَّه ، فإن تولوا فقولوا أشهدوا بأنّا مسلمون » « 1 » . وقد أمر سبحانه في آية أخرى رسوله بدعوة معشر اليهود أو الناس جميعاً إلى اتباع ملّة إبراهيم ، قال سبحانه : « فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ المُشْرِكينَ » ( آل عمران - 95 ) . وصرّح سبحانه بأنّ كلّ نبي جاء عقب نبي آخر ، كان يصرّح بأنّه مصدّق بوجود ذلك النبي المتقدم عليه وكتابه ودينه ، فالمسيح مصدّق لما بين يديه من التوراة ومحمّد - صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم - مصدّق لما بين يديه من الكتب وكتابه مهيمن عليه ، كما قال سبحانه : « وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّورَاةِ » ، « وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الكِتبَ بِالحَقِّ مُصَدِّقاً لِمعا بَينَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ » ( المائدة : 46 ، 48 ) . وهذه النصوص كلّها تعبّر عن وحدة أصول الشرائع وجذورها ولبابها . وعلى هذه فرسالة السماء إلى الأرض ، رسالة واحدة في الحقيقة مقولة بالتشكيك ، متكاملة عبر القرون ، جاءت بها الرسل طوال الأجيال ، وكلّهم يحملون إلى المجتمع البشري رسالة واحدة لتصعد بهم إلى مدارج الكمال ، وتهديهم إلى معالم الهداية ومكارم الأخلاق . نعم كان البشر في أوّليات حياتهم يعيشون في غاية البساطة والسذاجة ، فما كانت لهم دولة تسوسهم ، ولا مجتمع يخدمهم ولا ذرائع تربطهم ، وكانت أواصر الوحدة ووشائج الارتباط بينهم ضعيفة جداً ، فلأجل ذاك القصور في العقل ، وقلة التقدم ، وضعف الرقي ، كانت تعاليم أنبيائهم ، والأحكام المشروعة لهم ، طفيفة في غاية البساطة ، فلما أخذت الانسانية بالتقدم والرقي ، وكثرت المسائل يوماً فيوماً ، اتسع نطاق الشريعة
هامش
( 1 ) - السيرة الحلبية ج 2 ص 275 ، مسند أحمد ج 1 ص 262 .
مفاهيم القرآن — صفحة 115 | الشيخ جعفر السبحاني