تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاهيم القرآن — صفحة 351

مساهمون:

ص٣٥١
الإنسان مبدأ ومصيراً . . ووحدتهم أصلًا ونهاية ، وتنهي كلّ ألوان التمييز العنصريّ ، والقوميّ وكلّ دواعيه الخياليّة ، فالإسلام لا يقر الحدود والأجناس والقوميّات والعنصريّات كعوامل وأمور تسوّغ التفريق بين أبناء البشر ، وترفع جماعة وتضع أخرى . وبهذا يرسي قواعد حكومة عالميّة واحدة ذات نظام إلهيّ توحيديّ واحد تدار فيها جميع المجتمعات البشريّة بمجموعة واحدة من القوانين الالهيّة المطابقة للفطرة الإنسانيّة والطبيعة البشريّة ، ويخضع العالم برمّته - في ظلالها - لا قتصاد واحد وسياسة واحدة وقضاء واحد ومحكمة واحدة ، ومعتمداً على جيش قويّ واحد . . ويستفيد جميع أبناء البشر من جميع المواهب الالهيّة الطبيعيّة بصورة متساويّة ، لا أن يحتكر بلد صغير جداً موارد طبيعيّة ضخمة وهائلة تكفي لأن يعيش بها عشرات الملايين بل ومئاتها ، بينما يرزخ كثير من الناس في البلاد الأخرى تحت حال يرثى لها من الحرمان والبؤس والفقر المدقع ، ويعانون من الجوع والجهل ، والعري والمرض ويموت منهم كلّ يوم عشرات الآلاف بل مئات الآلاف نتيجة الفقر ، ونقصان المواد الغذائيّة ، وما شابه ذلك . وبذلك نعرف أنّ الدعوات القائمة - اليوم - باسم القوميّة ، والعنصريّة والطبقيّة ما هي إلّا خطوات مضادّة لأطروحة الحكومة العالميّة الموحّدة التي سبق الإسلام إلى المناداة بها والدعوة إليها بإصرار . لقد شجب الرسول الأكرم صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم في خطابه التاريخيّ عند عودته من حجّة الوداع ، كلّ ألوان التمييز والتفرقة بين أبناء البشر وقال : « لا فضل لعربيّ على أعجميّ ولا لأعجميّ على عربيّ إلّا بالتّقوى » « 1 » . وقال : « كلّكم من آدم وآدم من تراب » « 2 » . وقال : « أيّها الناس أنّ اللَّه أذهب عنكم نخوة الجاهلية ، وتفاخرها بآبائها ألا انّكم من آدم وآدم من طين » « 3 » .
هامش
( 1 ) - تحف العقول : 34 ، وسيرة ابن هشام 2 : 414 . ( 2 ) - تحف العقول : 34 ، وسيرة ابن هشام 2 : 414 . ( 3 ) - سيرة ابن هشام 2 : 412 .
مفاهيم القرآن — صفحة 351 | الشيخ جعفر السبحاني