الغاية والهدف . . فإنّ من جعل الدنيا وزبارجها غايته وهدفه ، جعلها همّته ، ومن جعلها همّته تجاوز الحدود وضيّع الحقوق ، ونسي رعيّته وضيّع من ولي أمرهم . . فخسرهم ، وضيّع مودّتهم .
إنّ على المسؤول الحكوميّ أن يجعل الزهد نصب عينيه فيأخذ من الدنيا ما يكفيه . ومن كان كذلك لم يمدّ عينيه إلى أموال الناس حبّاً في العاجلة ، وغفلة عن الآجلة . . وكان جديراً بأن يراعي أضعف الناس . . فلا يضيع منهم حقّاً ولا يغفل فاقة وفقراً ولذلك قال الإمام عليّ - عليه السلام - في كلام له : « إنّ اللَّه فرض على أئمّة العدل أن يقدروا معيشتهم على قدر ضعفة الناس كيلا يتبيّغ بالفقير فقرهُ » « 1 » .
ونجده يوبّخ أحد ولاته - وهو عثمان بن حنيف - لأنّه دعي إلى وليمة فأجاب لأنّ ذلك - في نظر الإمام عليّ يعرّض الوالي والمسؤول الحكوميّ لخطر الانبهار بحطام الدنيا وبريقها وهو أمر فيه ما فيه من العواقب مضافاً إلى تضييع محتمل لحقّ الحاضر : « أمّا بعدُ يا بن حنيف فقد بلغني أنّ رجلًا من فتية أهل البصرة دعاك إلى مأدبة فأسرعت إليها تستطاب لك الألوان ، وتنقل إليك الجفان ، وما ظننت أنّك تجيب إلى طعام قوم عائلهم مجفوّ ، وغنيُّهم مدعوّ . . فانظر إلى ما تقضمه من هذا المقضم فما اشتبه عليك علمه فالفظه وما أيقنت بطيب وجوهه فنل منه .
ألا وإنّ لكلّ مأموم إماماً يقتدي به ويستضئ بنورعلمه ألا وإنّ إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه ومن طعمه بقرصيه ، ألا وإنّكم لا تقدرون على ذلك فأعينوني بورع ، واجتهاد وعفّة وسداد ، فواللَّه ما كنزت من دنياكم تبراً ولا ادّخرت من غنائمها وفراً ، ولا أعددت لبالي ثوبي طمراً ولا حزت من أرضها شبراً ، ولا أخذت منه إلّا كقوت أتان دبرة ولهي في عيني أوهى وأوهن من عفصة مقرة » « 2 » .
إنّ الزهد الذي يتحلّى به الحاكم والمسؤول الإداريّ هو الذي يمنعه من أن يمدّ عينيه إلى أموال الناس وأشيائهم . . وهو الذي يجعله يحس بآلام الرعيّة وحاجاتها ،
هامش
( 1 ) - نهج البلاغة : الخطبة ( 207 ) .
( 2 ) - نهج البلاغة : الخطبة ( 45 ) .