تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاهيم القرآن — صفحة 202

مساهمون:

ص٢٠٢
القيام بها وأدائها دون جماعة متفرّغة لذلك ، ودون جهاز حكم يتولّى تنفيذها ، توجّب على المجتمع الإسلاميّ أن يقوم بتشكيل دولة يعهد إليها مسؤولية القيام بهذه التكاليف ، وتطبيق النظم الاجتماعيّة الإسلاميّة ، والوظائف المتوجهة إلى المجتمع أساساً ، وذلك صيانةً للمجتمع من الانهيار ، وحفظاً لمصالحه وشؤونه ، إذ بغير هذه الصورة لن يكون هناك إلّا الهرج والمرج والفوضى والفساد الذي يأباه الإسلام بشدّة ، وترفضه تعاليم السماء أشدّ الرفض . من هذا البيان المقتضب ؛ يمكن لنا أن نستنبط كون الامّة والمجتمع هو مصدر السلطات الحكوميّة ، ولكن ليس مصدراً مطلقاً بل مصدراً في إطار الحاكميّة الإلهيّة والقوانين الإسلاميّة ، فالناس في الدين الإسلاميّ هم المكلفون بتشكيل الحكومة والدولة وتعيين الحاكم وانتخابه - إن لم يكن هناك حاكم منصوص عليه من جانب اللَّه - لقيادة الامّة ، وإدارة شؤونها ، وتطبيق الشريعة الإلهيّة في المجالات الاجتماعيّة ، لأنّهم هم المخاطبون بالخطابات المذكورة . . ولمّا لم يكن في مقدورهم جميعاً القيام بذلك بأشخاصهم ؛ لزم أن يبادروا إلى استنابة من يقوم بها . أليس المجتمع - حسب منطق القرآن - هو الذي توجه إليه الأمر بقطع السارق وحدّ الزاني وردّ المعتدي وحفظ الثغور ، وإقامة النظام الدينيّ ؟ ؟ . أفلا يدلّ ذلك ضمناً على أن الإسلام سمح للمجتمع الإسلاميّ بأن يّشكّل الدولة التي تتولّى القيام بهذه الواجبات الاجتماعيّة ؛ لأنّ الإسلام جعل هذه التكاليف في عهدة المجتمع ، وطلب منه أداءها ؟ وهل يمكن للمجتمع الذي يقوم كلّ صنف من أصنافه بتكفُّل جانب ضروريّ من الجوانب المعيشيّة ، بكلّ تلك الواجبات الاجتماعيّة والإداريّة والسياسيّة ؛ دون جهاز حكوميّ متفرّغ ينّفذ ويراقب ويضمن إجراء القوانين الإلهيّة في المجالات المذكورة ؟ وهل يمكن أن يريد الإسلام إقامة الأمور الاجتماعيّة والنظم الاجتماعيّ . . ولا يريد مقدّمة ذلك وهي تشكيل دولة تقوم . . وتتعهّد بتوزيع المسؤوليات وحفظ الحقوق .
مفاهيم القرآن — صفحة 202 | الشيخ جعفر السبحاني