يمكن أن يقال : انّ اللَّه سبحانه أدّب رسوله فأحسن تأديبه وعلّمه مصالح الأحكام ومفاسدها وأوقفه على ملاكاتها ومناطاتها ، ولما كانت الأحكام تابعة لمصالح ومفاسد كامنة في متعلّقاتها ، وكان النبي بتعليم منه سبحانه واقفاً على المصالح والمفاسد على اختلاف درجاتها ومراتبها كان له أن ينص على أحكامه سبحانه من طريق الوقوف على عللها وملاكاتها ، ولا يكون الاهتداء إلى أحكامه سبحانه من طريق التعرّف على عللها بأقصر من الطرق الأُخر التي يقف بها النبي على حلاله وحرامه ، وإلى هذا يشير الإمام أمير المؤمنين عليه السلام بقوله :
« عقلوا الدين عقل وعاية ورعاية لا عقل سماع ورواية ، فإنّ رواة العلم كثير ورعاته قليل » . « 1 » غير أنّ اهتداءه صلى الله عليه وآله وسلم إلى الأحكام وتنصيصه بها من هذا الطريق قليل جداً لا يتجاوز عما ذكرناه ، وبذلك يعلم حال الأئمّة المعصومين عليهم السلام في هذا المورد .
وقد يجاب عنه أنّ عمل الرسول لم يكن في هاتيك الموارد سوى مجرّد طلب وقد نفذ اللَّه طلبه ، لا أنّه قام بنفسه بتشريع وتقنين ، ويشير إلى ذلك قوله : « فأجاز اللَّه عزّ وجل له ذلك » .
ولو أنّ النبي كان يمتلك زمام التشريع وكان قد فوّض إليه أمر التقنين - على نحو ما تفيده كلمة التفويض « 2 » - إذن لما احتاج إلى إذنه وإجازته المجدّدة ، ولما كان للجملة المذكورة أيمعنى .
* * *
هامش
( 1 ) . نهج البلاغة : الخطبة 234 طبعة محمد عبده .
( 2 ) . أيأنّ اللَّه فوض هذا الحق إلى رسول اللَّه واعتزل هو ليفعل النبي ما يشاء .