التوحيد الذي بعث الأنبياء والرسول الأعظم خاصة من أجل إقراره ونشره في المجتمع الإنساني ، بل يجب - علاوة على التوحيد الربوبي - أن يفرد اللَّه بالعبادة ولا يشرك به أحد ، لأنّ مشركي العرب مع أنّهم كانوا يوحدون خالق الكون ويعتقدون بأنّه واحد لا أكثر ، فإنّ القرآن كان يعتبرهم مشركين ، إذ يقول :
« وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ » « 1 » . « 2 »
ولا كلام في هذا المطلب ، وليس من المسلمين أحد يتحلّى بالواقعية ينكر عدم كفاية التوحيد الربوبي وحده ، بل للتوحيد - كما أسلفنا - مراحل أربع وإن اقتصر الوهابيون على مرحلتين منها ونسوا أو تناسوا المرحلتين الأُخريين .
غير أنّ الجدير بالذكر هو : انّه لا يختلف أحد مع هؤلاء في هذه المسألة الكلية ، فالجميع متفقون على وجوب الاجتناب عن عبادة غير اللَّه ، ولكن المهم هو أنّ الوهابيين يتصورن أنّ تعظيم الأنبياء ، وأولياء اللَّه - مثلًا - عبادة ، في حين أنّ بين التعظيم والعبادة - في نظر الآخرين - بوناً شاسعاً وفرقاً كبيراً .
وبعبارة أُخرى : ليس بين المسلمين خلاف في هذا الأصل الكلي ، وهو عدم جواز عبادة غير اللَّه أبداً ، وإنّما الخلاف هو في نظر الفرقة الوهابية إلى بعض الأعمال - كالزيارة مثلًا - حيث اعتبرتها عبادة ، في حين لا تكون هذه الأعمال عبادة في نظر الآخرين .
هامش
( 1 ) . يوسف : 106 .
( 2 ) . فتح المجيد تأليف الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب ( المتوفّى عام 1285 ه ) ص 12 و 20 ، وهذا الأمر يدرّس الآن في المناهج الدراسية عندهم ، ويؤكدون على هذين النوعين من التوحيد ثم يتهمون المسلمين بأنّهم موحدون ربوبياً لا الوهياً .
وقد عرفت في ما مضى أنّ تسمية التوحيد في الخالقية بالتوحيد الربوبي ، وتسمية التوحيد في العبادة بالتوحيد الالوهي خطأ من حيث اللغة ومصطلح القرآن فلاحظ الصفحة 431 .