وروح القدس هو أيضاً مالك بانفراده - لكامل الألوهية وانّ الألوهية بتمامها متحققة فيه دون نقصان .
هذه العبارات وما يشابهها من التوجيهات للتثليث المسيحي توحي بأنّهم يعتبرون مسألة التثليث فوق الاستدلال والبرهنة العقلية ، وأنّها بالتالي « منطقة محرمة » على العقل ، فلا يمكن الاستدلال الصحيح عليها ، بل مستند ذلك هو الوحي والنقل ليس غير .
ولهذا ينبغي - قبل أيشيء - أن نبحث أوّلًا في الأدلة النقلية ، وهم وان كانوا يستندون في هذه الفكرة إلى النقل ولكن ليس للتثليث أيمستند نقلي معتبر .
وأمّا « الأناجيل » الأربعة الفعلية فليست بمعتبرة إطلاقاً ، إذ لا تشبه الوحي بل تدل طريقة كتابتها على أنّها من بقايا أدب القرن الأوّل والثاني الميلاديين ، وهذا يعني عدم كونها متعلقة بفجر المسيحية حقيقة .
ثمّ إنّ عالم ما وراء الطبيعة وإن كان لا يمكن أن يقاس بالأُمور المادية المألوفة ولكنّه ليس بمعنى أنّ ذلك العالم فوضى وخلو من المعايير ، بل لكل مقياسه الخاص ، والدليل على ذلك انّ هناك سلسلة من القضايا العقلية التي لا تقبل النقاش والجدل تحكم في عالم المادة ، وعالم ما وراء المادة سواء كمسألة احتياج كل معلول إلى علة وكمسألة ( امتناع اجتماع النقيضين ) .
إلى غير ذلك من القواعد العامة الحاكمة في عالمي المادة والمعنى .
وعلى ذلك إذا أبطلت البراهين العقلية مسألة التثليث لم يعد مجال للاستناد بالأدلة النقلية ، بل يتعين أن نعترف ببطلان النصوص هذه ، ونذعن بأنّها ليست من كلام اللَّه ووحيه إذ كيف يجوز للوحي أن يخالف ما هو مسلم عقلًا .
إذا عرفت هذا ، حان الوقت لأن نعرف حقيقة الأمر من وجهة نظر العقل .
مفاهيم القرآن — صفحة 304
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص٣٠٤