فلابد إذن من الإذعان بوجود اللَّه الواحد ، ولابد من التزام العبودية أمامه .
يبقى أن نعرف وجه بطلان هذه الاحتمالات فنقول :
أمّا بطلان الاحتمال الأوّل ففطري ، لبداهة أنّ لكل ظاهرة وحادث موجداً ومحدثاً لدلالة الفطرة السليمة ، والضمير اليقظ والتجربة المتكررة ، والبرهان العقلي عليه ، بحيث لو ادّعى أحد إمكان وقوع معلول دون علة لسخَّر منه العقلاء أجمعون .
وبرهان الإمكان يؤيد هذه الآية .
وأمّا بطلان الاحتمال الثاني فهو كذلك بديهي كالأوّل لبداهة أنّ كل ظاهرة إذا كانت موجدة لنفسها كان معنى ذلك رجوع الاحتمال الثاني إلى الأوّل ، وهو « تواجد المعلول بلا علة موجدة له خارجة عن ذاته » وقد عرفت فساده .
وخلاصة القول : إنّ الشيء إذا كان غير موجود بالذات ( أي لم يكن وجوده نابعاً من ذاته ) فهو إذن حادث ، فهو إذن يحتاج - بحكم ما قلناه في الاحتمال الأوّل - إلى محدث .
وأما لو كان وجود الشيء نابعاً من ذاته فهو ليس إذن بحادث ، بل هو أزلي أبدي في حين أنّهم ( أي الملحدين ) مذعنون بأنّ هذه الأشياء ( أي البشر ) ليست سوى أُمور حادثة مسبوقة بالعدم .
وبعبارة أكثر وضوحاً : انّ خلق الشيء لنفسه يستلزم « الدور » الواضح بطلانه .
لأنّ معنى قولك : « خلق الشيء نفسه » هو أن يكون الشيء موجوداً قبل ذلك ليتسنّى له خلق نفسه . ومعنى هذا : توقف الشيء وتقدمه على نفسه
مفاهيم القرآن — صفحة 160
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص١٦٠