فما أغنى عن الفرزدق تغطية عنقفته شيئا .
ومن الإرصاد قوله تعالى :
فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ
« 1 » فالسامع لهذا يدري أن آخر الآية « يظلمون » .
وقوله تعالى :
كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً . وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ
« 2 » فالسامع لهذا يعلم أن بعده : بيت العنكبوت .
ونظائر هذا كثيرة وهذا مما يدل على براعة الناظم والناثر ؛ لأن أول الكلام لا يدل على آخره ، إلا لشدة ارتباطه به ، وذلك أعلى مطالب هذا العلم كما سبق .
وفي الافتخار بذلك قال ابن نباتة الشاعر « 3 » :
خذها إذا أنشدت في القوم من طرب * صدورها عرفت منها قوافيها
ينسى لها الراكب العجلان حاجته * ويصبح الحاسد الغضبان يطريها
وأبو هلال « 4 » سمّى هذا النوع « التوشيح » ، وتسميته بالإرصاد أولى ؛ لأن السامع يرصد القافية في نفسه ، أي : يعدها بالحدس حتى يحققها بالحسّ .
والتوشيح يأتي ذكره ، وقريب من هذا تسمية الغانمي « 5 » ؛ ذكر الشاعر زيادة لأجل القافية يتم المعنى بدونها « تبليغا » ، ومثله بقول امرئ القيس « 6 » :
كأن عيون الوحش حول خبائنا * وأرحلنا الجزع الذي لم يثقّب
هامش
( 1 ) سورة التوبة آية 70 وتمامها « ولكن كانوا أنفسهم يظلمون » .
( 2 ) سورة العنكبوت آية 41 .
( 3 ) يتيمة الدهر 2 / 379 ط الصاوي .
( 4 ) الصناعتين ص 382 .
( 5 ) هو أبو العلاء بن غانم المعروف بالغانمي ، اللباب 3 - 166
( 6 ) من قصيدة مطلعها :خليلي مرّا بي على أم جندب * نقضّ لبانات الفؤاد المعذبديوانه ص 53 .