ومنه : قول مؤمن من آل فرعون :
أَ تَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ ، وَإِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ . وَإِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ
« 1 » فأخذهم بالاحتجاج على جهة التقسيم والاستدراج فقال :
هذا إما كاذب فوبال كذبه عائد عليه ، فما لكم وله ، وإما صادق فيصيبكم بعض ما يعدكم به ، فقدم الكذب على الصدق ، وقال : « بعض الذي يعدكم » من علمه بأن جميع ما وعدهم به واقع بهم ؛ هضما لبعض حقه في ظاهر الكلام ، كأنه قال : إني قد هضمته بعض حقه ، وحجتي ظاهرة عليكم ، فكيف لو استوفيت له حقه في جدالكم ، أو تعصبت له فزدته على حقه ، ثم أبطل القسمين ، وهو كونه كاذبا بقوله :
إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ
« 2 » أي : وهذا قد هداه اللّه للإيمان فلا يكون كاذبا ، فيكون صادقا ، فاقبلوا اتباعه ، وهذا هو المقصود بالاستدراج ، توصل إليه بتلك المقدمات ، واللّه أعلم .
وهكذا قول إبراهيم عليه الصلاة والسلام لقومه :
ما تَعْبُدُونَ ؟ . قالُوا نَعْبُدُ أَصْناماً فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ
« 3 » . فإن في هذه القصة أنواعا من التلطف والاستدراج .
النوع السادس والعشرون : الإرصاد
وهو معرفة السامع قافية البيت ، أو فاصلة النثر من سماع صدر كلام ، كقول النابغة « 4 » :
هامش
( 1 ) سورة غافر آية 28 .
( 2 ) سورة غافر آية 28 .
( 3 ) سورة الشعراء آية 70 و 71 .
( 4 ) من قصيدة يمدح بها النعمان بن المنذر ويعتذر له ومطلعها :أمن ظلامة الدمن البوالي * بِمُرفَضِّ الحبي إلى وعالوفي الديوان ولو كفّى اليمين بغتك خونا . . .
ديوانه ص 139 .