ومنه :
فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ
« 1 » أي : إذا أردت القراءة ، فالقراءة مسبب عن الإرادة .
وقول من حمله على ظاهره من تعقيب القراءة بالاستعاذة ضعيف « 2 » ؛ إذ المعقول من أمره بالاستعاذة من الشيطان ؛ الاعتصام من كيده ، وأن يعرض له في قراءته فيخلطها عليه ، كما يغلب عليه في صلاته ليقطعها ، وكما خلط عليه في سورة النجم ، حتى قرأ فيها : « تلك الغرانيق العلى ، إنّ شفاعتهم لترتجى » فإذا أخّرها إلى أن يفضي إلى القراءة فأتت تلك الفائدة « 3 » .
ومنه قوله تعالى :
فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها
« 4 » أي : لا تكن تابعا ضعيفا في دينك ، بحيث يؤثر فيك من يصدّك عنها ، فاللين في الدين سبب تأثير قول الصاد الذي هو سبب الانصداد . وهذه أعجب صور هذا الضرب ؛ لأنها تضمنت الاكتفاء بالمسبب عن ذكر السبب البعيد بمرتبتين ، فتأمله ، واللّه أعلم .
الضرب الثاني : الإضمار
وهو في اللغة : الإخفاء والستر ، تشبيها بالسر في الضمير . قال الأعشى حكاية عن ابنته « 5 » :
أيا أبتا لا ترم عندنا * فإنّا بخير إذا لم ترم
نراك إذا أضمرتك البلا * د نجفي وتقطع منا الرحم
هامش
( 1 ) سورة النحل آية 98 .
( 2 ) أي إذا تعوّذت فاقرأ .
( 3 ) لأن كل مستعيذ باللّه لا تجب عليه القراءة ، فإذا فاتت الاستعاذة دون قراءة فاتت الفائدة .
( 4 ) سورة طه آية 16 .
( 5 ) من قصيدة يمدح بها قيس بن معد يكرب مطلعها :أتهجر غانية أم تلم * أم الحبل واه بها منجذمديوانه ص 4 .