النوع الخامس : في الإيجاز
وهو التعبير عن المعنى الكامل بأقل ما يمكن من الحروف .
وقيل : دلالة اللفظ على المعنى من أقرب طرقه .
وهما مستويان :
وهو مصدر أوجز إيجازا « 1 » ، إذا قصر ، ومنه قولهم : عظني وأوجز : أي اقتصر .
واعتناء العرب بهذا النوع شديد ، بدليل وضعهم ألفاظا استغنوا بواحدها عن ألفاظ كثيرة ، بل غير متناهية ، كأدوات الاستفهام ، والشرط ، ونحوهما ؛ لأن قولك : « أين زيد ؟ » يغني عن قولك : « أفي الدار هو أم في المسجد ؟ » واستقراء جميع الأماكن كلها ، « وكم مالك ؟ » أغنى عن : « أعشرة أم عشرون أم مائة أم ألف » ونحوها من الأعداد غير المتناهية .
وقولك : « من يقم أقم معه » أغنى عن : « إن يقم زيد أو عمرو أو بكر أو فلان أو فلان أقم معه » ، و « ما بالدار أحد » أغنى عن : « ما بها زيد ولا عمرو ولا هند ولا دعد » ونحو ذلك .
ثم ذهبت جماعتنا إلى أن الإيجاز حسن في الأشعار والمكاتبات ومحاورات الخواص ، دون الخطب والتقليدات السلطانية ، وكتب الفتوح التي تقرأ في ملأ من العوام ، مراعاة لأفهامهم ؛ إذ التطويل أبلغ في حقهم ، وأجدر ألا يخفى عليهم من المكتوب شيء وضعف ابن الأثير « 2 » ذلك : بأن هذا يوجب مراعاة العامة في استعمال كلامهم الركيك ، ولفظ لفظهم المبتذل ؛ لأنهم آنس به ، وآلف له ، ولم يقل به أحد ، بل على المؤلف سلوك النهج القويم ، والطريق المستقيم ؛ ليخرج من عهدة
هامش
( 1 ) في الأصل : أوجز إوجازا . وهذا مخالف لقاعدة الإبدال في قلب الواو ياء لكسر ما قبلها .
( 2 ) الجامع الكبير ص 123 .