معها ، وشجاعته ، وعدم خوفها عند لقائها ، حتى كأنهم يشاهدون ذلك ولو قال :
فضربتها ، لزال ذلك المعنى .
وكذلك حكاية سلمة بن الأكوع « 1 » عن نفسه مع صاحب الجمل الذي كان عينا للمشركين حيث قال : « فأضربه فيذرّ رأسه » « 2 » .
وأما الثاني : فموضعه ما إذا كان مدلول الفعل من الأمور الهائلة المهدد المتوعد بها ، فيعدل فيه إلى لفظ الماضي تقريرا وتحقيقا ؛ لوقوعه في المستقبل ، بإيهام وقوعه في الماضي والفراغ منه ، كقوله تعالى :
وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ
« 3 » ، أي : فيفزع .
وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعاً
« 4 » و
أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ
« 5 » ، أي : يبرزون ، ويأتي .
وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً وَحَشَرْناهُمْ
« 6 » ، أي : نحشرهم ، فعبر عن هذه الأشياء بالماضي ، تنبيها على تحقق وقوعها ، كشيء مضى وفرغ منه ، مبالغة في التهديد والوعيد .
وقد يفعل ذلك فيما يقصد تسهيله على النفس وتحريضها عليه ، كقوله عليه السلام في حديث المضريين المجتابي الثمار يعرض للناس بأن يتصدقوا عليهم ، « تصدّق رجل من صاع برّه ، ومن صاع تمره » « 7 » .
وفي بعض آثار السترة في الصلاة : صلى رجل في إزار ورداء وسراويل ، فقال :
تصدق وصلى ، بلفظ الماضي تسهيلا عليهم .
ومن لواحق ذلك ؛ العدول عن المستقبل إلى اسم المفعول ؛ لتضمنه معنى الماضي ، نحو ،
ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ
« 8 » تقريرا للجميع فيه وثبوته .
هامش
( 1 ) كان يكنى أبا اياس ، وكان من الرماة المذكورين ومات سنة 74 وهو ابن ثمانين سنة المعارف 141
( 2 ) ذرّ : تناثر .
( 3 ) سورة النمل آية 87 .
( 4 ) سورة إبراهيم آية 21 .
( 5 ) سورة النحل آية 1 .
( 6 ) سورة الكهف آية 47 .
( 7 ) سنن النسائي 5 / 27 ط مصطفى الحلبي
( 8 ) سورة هود آية 103 . وتمامها « ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود »