تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإكسير في علم التفسير — صفحة 179

مساهمون:

ص١٧٩
مثال الأول : قول هود لقومه :
إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ، مِنْ دُونِهِ
« 1 » ولم يقل : « وأشهدكم » قطعا ، بعطف المستقبل على مثله المشعر باستواء الشاهدين في الصدق ، وعدولا إلى الاستهزاء بهم وتهكمهم ، إذ شهادتهم لا تأثير لها ، ولا اعتبار بها ، كما تقول لعدول « اشهد أني أحبك » . ومثال الثاني : أن يستنيب الحاكم عاصيا عن معصيته ، فيقول العاصي » إني أشهد هؤلاء الناس ، واشهد أيها الحاكم ، أني لا أعود إلى مثل ما فعلت » فإن ذلك يفيد تفخيم حال الحاكم وزيادة تعظيمه على غيره ممن أشهده ، وقريب من هذا قوله تعالى :
فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ
،
لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ
« 2 » في دلالة الكلام على أن الثاني أفخم من الأول . الضرب الثالث : في الالتفات من خطاب التثنية إلى خطاب الجمع ، ثم إلى خطاب الواحد . فمنه قوله تعالى :
وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً . وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً ، وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ ، وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ
« 3 » . فعدل عن المثنى وهو « تبوّءا لقومكما » إلى الجمع بقوله « واجعلوا » ؛ وذلك لأن موسى وهارون هما اللذان يقرران قواعد النبوة : ويحكمان مباني الشريعة ، فخصهما بذلك ، ثم خاطب الجميع باتخاذ البيوت قبلة للعبادة ؛ إذ الجميع مأمورون بها عموما ، ثم قال لموسى وحده « وبشر المؤمنين » ؛ لأنه الرسول الحقيقي الذي إليه البشارة والإنذار والإيراد والإصدار . وهارون وزير في الحقيقة كما صرح به النص . وقال تعالى :
إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ
« 4 » لكون كل منهما منعوتا في الرسالة لكن أحدهما للتبليغ ، والآخر ردء ، ومصدق ، ومساعد له .
هامش
( 1 ) سورة هود آية 54 . ( 2 ) سورة آل عمران 81 ، 82 ( 3 ) سورة يونس آية 87 . ( 4 ) سورة طه آية 47 .