ومنه قوله تعالى حاكيا عن حبيب النجار « 1 » :
وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
« 2 » فعدل عن خطاب الواحد إلى الجمع ؛ لأنه أبرز لهم كلامه في معرض المناصحة لهم ، كأنه قال : إني أحب لكم ما أحب لنفسي ، فاتبعوني ، وكما أعبد الذي فطرني ، فاعبدوا أنتم الذي فطركم ، وإليه ترجعون ، وتضمن كلامه أيضا تذكيرهم النعمة في إنشائهم وخلقهم ، واستدعاء شكرها بالعبادة ، وتحذيرهم نقمة الكفر عند الرجوع إلى عالم الغيب والشهادة ، واللّه أعلم .
الصنف الثاني : في الالتفات عن الماضي إلى المضارع ، وعكسه « 3 » .
أما الأول : فموضعه ما إذا كان بعض أحوال القضية الخبرية مشتملا على نوع تميز وخصوصية ؛ لاستغراب أو أهمية ، فيعدل فيها إلى المضارع المستعمل للحال ؛ إيهاما للسامع حضورها حال الإخبار ومشاهدتها ؛ ليكون أبلغ في تحققها له ، فمن ذلك قوله تعالى :
أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً
« 4 » فعدل عن لفظ « فأصبحت » إلى لفظ « فتصبح » ، لما ذكرنا من قصد المبالغة في تحقيق اخضرار الأرض لأهميته ؛ إذ هو المقصود بالإنزال ، وهو سبب ، فوزانه من الكلام « أنعم عليّ فلان عام كذا ، فأروح وأغدو شاكرا له » ورفع « فتصبح » . وإن وقع في جواب الاستفهام ؛ لأن ما في خبره وهو : الريّ ، ليس سببا للإصباح ، وإنما ينصب ما في جواب الاستفهام ، إذا كان ما في خبره سببا له .
ومنه قوله تعالى :
وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها
« 5 » فقال « تثير » مضارعا ، وما قبله وما بعده ماضيا ،
هامش
( 1 ) هو حبيب بن إسرائيل النجار ، وكان ينحت الأصنام ، آمن برسول اللّه وبينهما ستمائة سنة كما آمن به ورقة ابن نوفل ، ولم يؤمن بنبي أحد إلا بعد ظهوره . الكشاف 4 / 7 ط الاستقامة .
( 2 ) سورة يس آية 22 .
( 3 ) في الأصل : عن المضارع إلى المضارع وعكسه ، وهو سهو من الناسخ ، والأمثلة التي ساقها تؤكد صحة ما أثبتناه في النص .
( 4 ) سورة الحج آية 63 .
( 5 ) سورة فاطر آية 9 .