ومنه قوله تعالى :
وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ
« 1 » فمثّل البخل بغلّ اليد إلى العنق وكنّى به عنه ؛ لعدم تمكن البخيل من بسط اليد بالعطاء كالمغلول ، ولقبح صورة الغلّ ونفرة النفوس منه ، وكونه مؤلما للمغلول مبالغة في تنفيره عنه ، وتنبيه على أن في البخل ضررا وألما ، كما للغلّ .
ومنه قوله تعالى :
أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ
« 2 » مثل غيبة المسلمين بأكل لحم الآدمي ميتا ، وكنى به عنه ؛ إذ الغيبة تمزيق العرض ، كما أن أكل اللحم تمزيقه مع الجلد ، وذلك قبيح في بداهة العقول « 3 » ، ثم ترقى في مبالغة التمثيل درجة أخرى ؛ بأن جعل اللحم لحم الأخ ؛ لأنه أشد كراهة ؛ إذ الإنسان يراعي في حق أخيه ما لا يراعي في حق غيره ، ويكره له ما لا يكره لغيره ، ثم ترقى فيه درجة أخرى ؛ بأن جعل اللحم ميتا ؛ لأن المغتاب لا يعلم بالغيبة ، كما أن الميت لا يحسّ ظاهرا بأكل لحمه ، ثم وصل بذلك لفظ الكراهة مبالغة في التنفير .
ومنه قول ابن الدّمينة « 4 » :
أبيني أفي يمنى يديك جعلتني * فأفرح ، أم صيّرتني في شمالك ؟
فكنّى عن الإكرام بجعله في يمناها ، وعن الإهانة بجعله في شمالها ؛ لأن اليمين أشرف من الشمال حسا وشرعا ، ولذلك كنّى اللّه تعالى عن أهل الجنة : ب
أَصْحابُ الْيَمِينِ
« 5 » وعن أهل النار ب
أَصْحابُ الشِّمالِ
« 6 » في موضعين من سورة الواقعة :
أولها وآخرها .
هامش
( 1 ) سورة الإسراء آية 29 .
( 2 ) سورة الحجرات آية 12 .
( 3 ) في الأصل : في بداية العقول ، وهو خطأ من الناسخ .
( 4 ) هذا البيت من قصيدة له مطلعها :قفي يا أميم القلب نقض لبانة * ونشك الهوى ثم افعلي ما بدا لكديوانه ص 15 وانظر دلائل الإعجاز ص 71 .
( 5 ) سورة الواقعة آية 28 ونصها « وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين في سدر مخضود »
( 6 ) سورة الواقعة آية 41 ونصها « وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال في سموم وحميم » .