فإن قلت : فما تقول في قوله عليه السلام : « حوّلوا مقعدتي قبل القبلة » « 1 » أمستكره هو أم لا ؟ قلت : لا ؛ لأن المراد بها الموضع الذي يقعد فيه لقضاء الحاجة ، وهو مستعار من اللفظ الذي تتحامى ذكره « 2 » ، والمستعار له حكم المستعار منه ؛ للترابط بينهما ، فكأنه صرح بالمستعار منه وهو : العجيزة ، ولو صرح بذلك لم يكن مستكرها شرعا ، كقوله لا تقل : أهريق الماء ، ولكن قل : أبول .
وقوله لماعز : أنكتها ؟ ولم يكنّ « 3 » . بخلاف ما نحن فيه ؛ فإن كلامنا في ذكر معنى حسن بلفظ يوهم معنى مستكرها من غير رابط بينهما ، فاعرف ذلك .
واعلم أنه قد ورد شيء من هذا الباب مهمل بغير قرينة ، كقول تأبّط شرا :
أقول للحيان وقد صفرت لهم * وطالبي ويومي ضيق الجحر معور « 4 »
فقال ابن الأثير « 5 » : لا تفيد القرينة هذا شيئا ، ولا تزيل ما عليه من الكراهة ، وما فيها من القبح ؛ لمبادرة الذهن منه إلى المحل المخصوص من الحيوان بكل حال .
وفي هذا نظر ، بل لهذا حكم غيره مما تزيل القرينة كراهيته كقولهم :
جحر ضبّ خرب
وقول الآخر :
فكنت كالمولج في جحر يدا * فأخطأ الأفعى ولاقى الأسودا
هامش
( 1 ) عن عائشة رضي اللّه عنها قالت : ذكر عند رسول اللّه قوم يكرهون أن يستقبلوا بفروجهم القبلة ، فقال « أراهم قد فعلوها . استقبلوا بمقعدتي القبلة » سنن ابن ماجة 1 / 117 عيسى الحلبي .
( 2 ) في الأصل : من اللفظ التي نتحامى ذكرها .
( 3 ) في الأصل : ولا تكنى وهو تحريف .
( 4 ) ديوان الحماسة 1 / 26 ، لحيان : بطن من هذيل ، وصفرت وطابي : كناية عن خلو قبله من محبتهم . معور :
باد عورته ، وهي مكان المخافة منه .
( 5 ) الجامع الكبير ص 54 .