وكقول ابن هاني « 1 » :
من ليس يرفل إلا في سوابغه * من تبعي مفاض أو سلوقي
أم من يذلّ عماليقا تذلّهم * أي الأجادل يسمو للكراكي
فهذه القوافي وأصلها من المبتذلات ينبغي اجتنابها ؛ لغثائتها ، ومج الأسماع لها ؛ لابتذالها .
الصفة الرابعة : أن لا تستعمل اللفظ المشترك بين معنيين : حسن ، ومستكره ،
بلا قرينة تميزه ؛ إذ بدون القرينة يسبق إلى الوهم المعنى المستكره ، فتمجّه النفس وتنفر منه « 2 » . ولا تزول تلك النفرة بعد معرفتها أن مراده المعنى الحسن ، لصلافتها وسرعة بغيها بالمعاني ، ألا ترى أنك « 3 » لا تشك في حسن الورد ، وحلاوة العسل ، ولو قيل : هذا الورد يشبه سرم البغل ، وهذا العسل كأنه عذرة « 4 » ، وهذا اللبن كأنه مدة أو قيح ، لنفرت ، فإذا نفرها التشبيه الطارئ ، فكيف بالإدراك المتبادر للسياق .
مثال ذلك قوله تعالى :
فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ
« 5 » .
وقوله :
لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ
« 6 » .
وقول القائل : « لقيت فلانا فأكرمته وعزّرته » . فلولا قرينة الإكرام في هذه المواضع ، لفتح لمبادرة الذهن إلى التعزير بمعنى : التأديب والإهانة .
هامش
( 1 ) هو محمد بن هانئ الأندلسي وهو غير أبي نواس ، له ديوان مطبوع ، ولد بقرية من قرى أشبيلية سنة 320 ه وتوفي مقتولا سنة 372 ه .
وهذان البيتان من قصيدة يمدح بها أبا الفرج السبياني مطلعها :قولا لمعتقل الرمح الرديني * والمرتدي ب % لرداء الهندواني( 2 ) في الأصل : وتنفرد منه ، وهو خطأ من الناسخ .
( 3 ) في الأصل : ألا ترى أنها .
( 4 ) العذرة : الغائط .
( 5 ) سورة الأعراف آية 157 .
( 6 ) سورة الفتح آية 9 .