أحدهما : التفسير لغرض المراء والغلبة والجدال . وهذا إنّما يعمد إلى دعم نظرته ، وتحكيم رأيه الخاصّ ، بما يجده من آيات متشابهة صالحة للتأويل إلى مطلوبه ، إن صحيحا أو فاسدا ، غير أنّ الآية لا تهدف ذلك لولا الالتواء بها في ذلك الاتّجاه ؛ ولذلك فإنّه حتّى لو أصاب في المعنى لم يؤجر ؛ لأنّه لم يقصد تفسير القرآن ، وإنّما استهدف نصرة مذهبه أيّا كانت الوسيلة .
وهذا ناظر في الأكثر إلى الآيات المتشابهة لغرض تأويلها ، فالنهي إنّما عنى التأويل غير المستند إلى دليل قاطع
فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ
« 1 » .
ثانيهما : التفسير من غير استناد إلى أصل ركين ، اعتمادا على ظاهر التعبير محضا ، فإنّ هذا هو من القول بلا علم ، وهو ممقوت لا محالة ، ولا سيّما في مثل كتاب اللّه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه . ومن ثمّ فإنّه أيضا غير مأجور على عمله حتّى ولو أصاب المعنى ؛ لأنّه أورد أمرا خطيرا من غير مورده ، والأكثر الغالب في مثله الخطأ والضلال ، وافتراء على اللّه ، وهو عظيم .
وقد أسلفنا كلام الراغب بهذا الشأن « 2 » وكذا ما ذكره الزركشي في هذا الباب « 3 » .
وكان كلامهما وافيا بجوانب الموضوع ، لم يختلف عمّا ذكرناه .
ولكن نقل جلال الدين السيوطي عن ابن النقيب محمّد بن سليمان البلخي « 4 » . في مقدّمة تفسيره : « أنّ جملة ما تحصّل في معنى الحديث خمسة أقوال :
أحدها : التفسير من غير حصول العلوم التي يجوز معها التفسير .
ثانيها : تفسير المتشابه الذي لا يعلمه إلّا اللّه .
هامش
( 1 ) . آل عمران 3 : 7 .
( 2 ) . راجع مقدّمته في التفسير : 93 .
( 3 ) . البرهان 2 : 164 - 168 .
( 4 ) . المتوفّى سنة 698 ه .