قال ابن الأنباري : « فسّر حديث ابن عبّاس تفسيرين :
أحدهما : من قال في مشكل القرآن بما لا يعرف من مذهب الأوائل من الصحابة والتابعين ، فهو متعرّض لسخط اللّه .
والآخر - وهو أثبت القولين وأصحّهما معنى - : من قال في القرآن قولا يعلم أنّ الحقّ غيره ، فليتبوّأ مقعده من النار » .
وقال : « وأمّا حديث جندب عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله : « من قال في القرآن برأيه فأصاب ، فقد أخطأ » « 1 » فحمل بعض أهل العلم هذا الحديث على أنّ الرأي معنيّ به الهوى : من قال في القرآن قولا يوافق هواه ، لم يأخذه عن أئمة السلف ، فأصاب ، فقد أخطأ ، لحكمه على القرآن بما لا يعرف أصله ، ولا يقف على مذاهب أهل الأثر والنقل فيه » .
وقال ابن عطيّة : « ومعنى هذا أن يسأل الرجل عن معنى في كتاب اللّه عزّ وجلّ ، فيتسوّر عليه برأيه « 2 » ، دون نظر فيما قال العلماء ، أو اقتضته قوانين العلوم ؛ كالنحو والأصول ، وليس يدخل في هذا الحديث أن يفسّر اللغويّون لغته والنحويّون نحوه ، والفقهاء معانيه ، ويقول كلّ واحد باجتهاده المبنيّ على قوانين علم ونظر ، فإنّ القائل على هذه الصّفة ليس قائلا بمجرّد رأيه » « 3 » .
وقال القرطبيّ تعقيبا على هذا الكلام : « هذا صحيح ، وهو الذي اختاره غير واحد من العلماء ، فإنّ من قال في القرآن بما سنح في وهمه وخطر على باله ، من غير استدلال عليه بالأصول ، فهو مخطئ ، وإنّ من استنبط معناه بحمله على الأصول المحكمة ، المتّفق على معناها ، فهو ممدوح .
هامش
( 1 ) . رواه الترمذي 5 : 200 رقم 2952 .
( 2 ) . تسوّر الشيء : هجم عليه هجوم اللّصّ وتسلّقه ، ويعني به هنا : التهجّم والإقدام بغير بصيرة ولا وعي .
( 3 ) . المحرّر الوجيز 1 : 41 ( المقدّمة ) .