وخصّ الطبري هذه الأحاديث بالآي التي لا سبيل إلى العلم بتأويلها إلّا ببيان رسول صلّى اللّه عليه واله ، مثل تأويل ما فيه من وجوه أمره : واجبه وندبه وإرشاده ، وصنوف نهيه ، ووظائف حقوقه وحدوده ، ومبالغ فرائضه ، ومقادير اللازم بعض خلقه لبعض ، وما أشبه ذلك من أحكام آية التي لم يدرك علمها إلّا ببيان الرسول لأمّته . وهذا وجه لا يجوز لأحد القول فيه إلّا ببيان الرسول له بتأويله بنصّ منه عليه ، أو بدلالة نصبها دالّة أمّته على تأويله .
قال : « وهذه الأخبار شاهدة لنا على صحّة ما قلنا من أنّ ما كان من تأويل آي القرآن الذي لا يدرك علمه إلّا بنصّ بيان الرسول أو بنصبه الدلالة عليه ، فغير جائز لأحد القيل فيه برأيه ، بل القائل في ذلك برأيه وإن أصاب الحقّ فيه فمخطئ فيما كان من فعله ، بقيله فيه برأيه ، لأنّ إصابته ليست إصابة موقن أنّه محقّ ، وإنّما هو إصابة خارص وظانّ ، والقائل في دين اللّه بالظنّ قائل على اللّه ما لم يعلم ؛ لأنّ قيله فيه برأيه ليس بقيل عالم أنّ الذي قال فيه من قول حقّ وصواب ، فهو قائل على اللّه ما لا يعلم ، آثم بفعله ما قد نهي عنه وحظر عليه » « 1 » .
قلت : وهذا يعني العمومات الواردة في القرآن ، الوارد تخصيصاتها في السنّة ببيان الرسول ، مثل قوله :
أَقِيمُوا الصَّلاةَ *
و
آتُوا الزَّكاةَ *
و
لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ
ونحو ذلك مّما ورد في القرآن عامّا ، وأوكل بيان تفاصيلها وشرائطها وأحكامها إلى بيان رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله . فلا يجوز شرح تفاصيلها إلّا عن أثر صحيح ، وهذا حقّ ، غير أنّ حديث المنع غير ناظر إلى خصوص ذلك .
وروى الترمذي بإسناده إلى ابن عبّاس عن النبي صلّى اللّه عليه واله قال : « اتّقوا الحديث عليّ إلّا ما علمتم ، فمن كذب عليّ متعمّدا فليتبوّأ مقعده من النار ، ومن قال في القرآن برأيه فليتبوّأ مقعده من النار » « 2 » .
هامش
( 1 ) . المصدر : 25 - 26 و 27 .
( 2 ) . الجامع الصحيح 5 : 199 كتاب التفسير باب 1 رقم 2951 قال أبو عيسى الترمذي : هذا حديث حسن .