القرآن إلّا آيا تعدّ علّمهنّ إياه جبريل « 1 » . أي أنّه صلّى اللّه عليه واله لم يكن يفسّر إلّا القلائل من الآيات ، تلك القلائل أيضا كان بوحي وتوقيف ، ولم يكن عن فهمه .
وروي عن إبراهيم قال : « كان أصحابنا يتّقون التفسير ويهابونه » .
* * * قال ابن كثير : « فهذه الآثار الصحيحة وما شاكلها عن أئمة السلف ، محمولة على تحرّجهم عن الكلام في التفسير بما لا علم لهم فيه ، فأمّا من تكلّم بما يعلم من ذلك لغة وشرعا فلا حرج عليه . ولهذا روي عن هؤلاء وغيرهم أقوال في التفسير ، ولا منافاة ؛ لأنّهم تكلّموا فيما علموه وسكتوا عمّا جهلوه ، وهذا هو الواجب على كلّ واحد ، فإنّه كما يجب السكوت عمّا لا علم له به ، فكذلك يجب القول فيما سئل عنه ممّا يعلمه ؛ لقوله تعالى :
لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ
« 2 » » .
وبعين ذلك ذكر ابن تيميّة في مقدمته « 3 » .
وقال ابن جرير الطبري : « إنّ معنى « إحجام » من أحجم عن القيل في تأويل القرآن وتفسيره من علماء السلف ، إنّما كان إحجامه عنه حذرا أن لا يبلغ أداء ما كلّف من إصابة صواب القول فيه ، لا على أنّ تأويل ذلك محجوب عن علماء الأمّة غير موجود بين أظهرهم » . « 4 »
قلت : والدليل على صحّة ذلك أنّ من تحرّج من القول في معاني القرآن من السلف كانوا هم القلّة القليلة من الأصحاب والتابعين ، أمّا الأكثريّة الساحقة من علماء الأمّة ونبهاء الصحابة فقد عنوا بتفسير القرآن وتأويله عناية بالغة ، كانت الوفرة الوفيرة من رصيدنا اليوم في التفسير .
هامش
( 1 ) . تفسير الطبري 1 : 29 . وانظر مقدّمة كتاب المباني في نظم المعاني الفصل الثامن : 183 - 184 .
( 2 ) . مقدّمة تفسير ابن كثير 1 : 6 ، والآية : 187 من سورة آل عمران 3 .
( 3 ) . مقدّمته في أصول التفسير : 55 .
( 4 ) . تفسير الطبري 1 : 30 .