الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ
« 1 » ، ولا يتروّغ مراوغة الزائف الغاشم ، ليترصّد متشابهات الأمور ، فيأخذ من خلالها أهدافه في العبث والفساد في الأرض ،
فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ
« 2 » .
لا هذا ولا ذاك ، وإنّما هي وقفة حازمة ، وقفة الفاحص النابه ، وسوف تدركه عناية اللّه سبحانه ليحتضن الحقيقة على جلائها وصفائها بفضله تعالى ،
وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً
« 3 » .
إذن كان قولهم :
آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا
تمهيدا لطلب الحقيقة ، ونقطة باعثة على البحث والفحص عنها ، وفي النهاية الوصول إليها . واللّه هو الهادي إلى سبيل الرشاد .
وثمّة شبهة أخرى ذكرها الفخر الرازي في المقام ، وهي : أنّ اللّه تعالى مدح الراسخين في العلم بأنّهم يقولون آمنّا به ، فلو كانوا عالمين بتأويله لم يكن لهم في الإيمان به مدح ؛ لأنّ كلّ من عرف الحقيقة فلا بدّ أن يؤمن بها ، فهو مطبوع على الإيمان حينذاك ، فلا موضع للمدح فيه « 4 » .
لكنّا ذكرنا أنّ المتشابه متشابه في بادئ النظر حتّى بالنسبة إلى الراسخين في العلم ، لكنّهم - بفضل رسوخهم في العلم وإيمانهم الثابت - لا يتزعزعون ، وسوف يعلمون تأويله بعد الجدّ والاجتهاد ، وهذا هو الذي يستدعي مدحهم والترفيع بجانبهم .
ثمّ ليس كلّ من عرف الحقّ أذعن له وآمن به ، وهناك الكثير من زائغي القلب ممّن يلمس الحقّ ثمّ يجحده ،
وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا
« 5 » .
هامش
( 1 ) . الحجّ 22 : 11 .
( 2 ) . آل عمران 3 : 7 .
( 3 ) . الجنّ 72 : 16 .
( 4 ) . التفسير الكبير للفخر 7 : 177 .
( 5 ) . النمل 27 : 14 .