قال : « وأمّا دلالة قولهم :
آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا
على التسليم المحض ، فهو لا ينافي العلم ، فإنّهم إنّما سلّموا بالمتشابه في ظاهره أو بالنسبة إلى غيرهم ؛ لعلمهم باتّفاقه مع المحكم ، فهم لرسوخهم في العلم ، ووقوفهم على حقّ اليقين ، لا يضطربون ولا يتزعزعون ، بل يؤمنون بهذا وبذاك على حدّ سواء ؛ لأنّ كلّا منهما من عند اللّه ربّنا ، ولا غرو ، فالجاهل في اضطراب دائم ، والراسخ في العلم في ثبات لازم ، ومن اطّلع على ينبوع الحقيقة لا تشتبه عليه المجاري ، فهو يعرف الحقّ بذاته ، ويرجع كلّ قول إليه ، قائلا :
آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا
» « 1 » .
وهذا يعني أنّ المتشابه متشابه في بدء النظر ، سواء لدى العالم أم العامي ، غير أنّ الجاهل القاصر يقتنع بظاهر اللفظ ولا يتجاوزه ، وربّما يزلّ به التعبير فيذهب به الوهم مذاهب بعيدة . أمّا العالم المتعمّق فيتصبّر ويتدبّر ليتكشّف عن واقع الأمر ، حيث يرى أنّه كلام حكيم لا يهذو في كلامه « 2 » ، فلا بدّ أنّ وراء هذا الظاهر المريب حقيقة عصماء خفي وجهها ، فيجدّ ويجتهد في الأمر حتّى يتحقّق ويتذوّق حلاوته ، ومن جدّ وجد ، ومن لجّ ولج
وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ
« 3 » .
وهذا النجاح والفلاح إنّما نالهم بفضل إيمانهم القويم أوّلا ، حيث ثبتوا على العقيدة بأنّ كلام الحكيم حكيم ، لا يسفه ولا ينطق بعبث . ولرسوخهم في العلم وتثبّتهم في الأمر ، وبذل الجهد في سبيل معرفة الحقيقة ثانيا ، ومن اطّلع على ينبوع الحقيقة لا تشتبه عليه المجاري .
والباحث الصادق لا يضطرب أمام المتشابه اضطراب الجاهل الذي وضع إيمانه على حرف ،
فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ خَسِرَ
هامش
( 1 ) . تفسير المنار 3 : 167 .
( 2 ) . يقال : هذى في كلامه ، أي : تكلّم بغير معقول لسهو أو غفلة .
( 3 ) . العنكبوت 29 : 69 .