العهد من توقّف في تفسير آية بحجّة أنّها من المتشابه الذي استأثر اللّه بعلمه ! !
وعبثا حاول النفاة التمثيل بالحروف المقطّعة ، وبأمور استأثر اللّه بعلمها في مثل :
أشراط الساعة ، ويعلم ما في الأرحام ، وما تدري نفس بأيّ أرض تموت !
وقد فاتهم أنّ مثل هذه الأمور لم تعرض في القرآن كآيات ، وإنّما أخبر عنها الذكر الحكيم كسائر إخباراته عن عوالم الغيب ، والآيات التي تضمّنتها واضحة المفاهيم في مؤدّاها من غير إبهام ولا إشكال ، وليست ممّا يتّبعها أهل الزيغ والأهواء .
وأمّا الحروف المقطّعة فإنّها حروف هجاء ، وأصوات من قبيل حروف التنبيه والإعلام . ولو كان قصد بها معنى رمزي - كما قيل - فإنّ المخاطب المقصود بذلك - وهم النبيّ والأمناء على الوحي ، وهم أفضل الراسخين في العلم - يعرفون مواضع الرمز فيها من غير إشكال ، وإن خفيت على من سواهم من أغيار ، كما هو الشأن في سائر المتشابهات ، بل المحكمات أيضا ، زوي علمها عن الأجانب الأباعد ، قال تعالى :
إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ * لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ
« 1 » .
شبهات النفاة :
ولأصحاب القول بالوقف على لفظ الجلالة ، شبهات حول القول بالعطف ، وعمدتها تعود إلى موضع قوله تعالى :
يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا
« 2 » حيث ظاهره الإيمان بالمتشابه على تشابهه ، الأمر الذي يتنافى وكونهم مردفين مع اللّه في العلم بتأويله .
وأجاب عنه الأستاذ الشيخ محمّد عبده بأنّ التسليم المحض تجاه المتشابهات لا ينافي العلم ، بعد كونهم إنّما سلّموا بالمتشابه في ظاهره ، فلم يجرفهم الظاهر المريب ، بل ثبتوا وتعمّقوا حتّى عرفوا الحقيقة بفضل رسوخهم في العلم .
هامش
( 1 ) . الواقعة 56 : 77 - 79 .
( 2 ) . آل عمران 3 : 7 .