فلا يكفي ما يتحصّل من آية واحدة بإعمال القواعد المقرّرة ، دون أن يتعاهد جميع الآيات المناسبة لها ، ويجتهد في التدبّر فيها .
فالتفسير بالرأي المنهيّ عنه أمر راجع إلى طريق الكشف دون المنكشف . فالنهي إنّما هو عن تفهّم كلامه تعالى على نحو ما يتفهّم به كلام غيره ، حتّى ولو صادف الواقع ؛ إذ على فرض الإصابة يكون الخطأ في الطريق .
قال : ويؤيّد هذا المعنى ، ما كان عليه الأمر في زمن النبيّ صلّى اللّه عليه واله فإنّ القرآن لم يكن مؤلّفا بعد ، ولم يكن منه إلّا سور أو آيات متفرّقة في أيدي الناس ، فكان في تفسير كلّ قطعة قطعة منه خطر الوقوع في خلاف المراد .
قال : والمحصّل أنّ المنهيّ عنه إنّما هو الاستقلال في تفسير القرآن ، واعتماد المفسّر على نفسه من غير رجوع إلى غيره ، ولازمه وجوب الاستمداد من الغير بالرجوع إليه .
قال : وهذا الغير - لا محالة - إمّا هو الكتاب أو السنّة . وكونه هي السنّة ، ينافي كون القرآن هو المرجع في تبيان كلّ شيء ، وكذا السنّة الآمرة بالرجوع إلى القرآن عند التباس الأمور ، وعرض الحديث عليه لتمييز صحيحه عن سقيمه ، فلم يبق للمراجعة والاستمداد في تفسير القرآن سوى نفس القرآن . فإنّ القرآن يفسّر بعضه بعضا ، وينطق بعضه ببعض ، ويشهد بعضه على بعض » « 1 » .
وهذا الذي ذكره سيّدنا العلّامة هنا تحقيق عريق بشأن طريقة فهم معاني كلامه تعالى .
قال في مقدّمة التفسير : « إنّ الاتّكاء على الأنس والعادة في فهم معاني الآيات ، يشوّش على الفاهم سبيله إلى إدراك مقاصد القرآن ؛ إذ كلامه تعالى ناشئ من صميم ذاته المقدّسة ، التي لا مثيل لها ولا نظير
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
« 2 » ،
لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ
هامش
( 1 ) . تفسير الميزان 3 : 77 - 79 ، وراجع : 1 : 10 أيضا .
( 2 ) . الشورى 42 : 11 .