ولعلّ إلى هذا التفسير تشير الآيات الكريمة التي جاءت في سورة الفرقان :
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا * وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً * الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إِلى جَهَنَّمَ أُوْلئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ سَبِيلًا * وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْنا مَعَهُ أَخاهُ هارُونَ وَزِيراً
« 1 » .
الملاحظ في هذه الآيات أنّ القرآن يذكر أنّ سبب التدرج والترتيب في القرآن الكريم هو : التثبيت للنبيّ من ناحية ، الإتيان بالحقّ والتفسير الأفضل للوقائع والأحداث والأمثال من ناحية أخرى ، ثمّ يأتي بهذا التفسير الأحسن من قصّة موسى عليه السّلام .
الرابع : أنّ الدعوة الإسلامية مرّت بمراحل متعدّدة في سيرها الطولي ، وقد كان القرآن الكريم يواكب هذه المراحل ويماشيها في عطائه وطبيعة أسلوبه ، وهذا كان يفرض أن تعرض القصّة الواحدة بأساليب متفاوتة في الطول والقصر نظرا لطبيعة الدعوة ، وطريقة بيان المفاهيم والعبر فيها ، كما نجد ذلك في قصص الأنبياء حين تعرض في السورة القصيرة المكية ، ثمّ يتطوّر العرض بعد ذلك إلى شكل أكثر تفصيلا في السور المكية المتأخّرة أو السورة المدنية .
الخامس : أنّ تكرار القصّة لم يأت في القرآن الكريم بشكل يتطابق فيه نصّ القصّة مع نصّ آخر لها ، بل كان فيها شيء من الزيادة والنقيصة ، وإنّما تختلف الموارد في بعض التفاصيل وطريقة العرض ؛ لأنّ طريقة عرض القصّة القرآنية قد تستبطن مفهوما دينيا يختلف عن المفهوم الدينيّ الآخر الذي تستبطنه طريقة عرض أخرى .
هامش
( 1 ) الفرقان : 32 - 35 .