تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهج التربية في القرآن والسنة — صفحة 185

مساهمون:

ص١٨٥
ولعل رابليه ( 1483 - 1553 م ) أول المربين الذين جعلوا للعلوم المكان الأول بين جميع الدراسات الجديرة بالإنسان ، بعد أن أهمل العصر الوسيط دراسة الطبيعة . وكان فن الملاحظة يجهله أولئك الجدليون الذين لم يكونوا يريدون معرفة عالم الطبيعة إلا من خلال نظريات " أرسطو " ولم يكونوا يقيمون أي وزن لدراسة العالم المادي الذي هو دار فناء تحتقرها النفوس الخالدة 57 . ويرى " كومنيوس " أن المعرفة تأتي من ثلاثة طرق : الحواس والعقل والوحي الإلهي . وأن الخطأ يمتنع إذا راعينا التوازن بينها جميعا 58 وقد ضاهى المربين المحدثين في اهتمامه بالمشاهدة وملاحظة الأشياء الحسية واعتبارها التمرين الفكري الأول ، ومما يقوله في هذا : ( لم لا نفتح بدلا من الكتب الميتة كتاب الطبيعة الحي ؟ إن تدريس الشبيبة لا يعني أن نطبع في ذهنهم حشدا من الألفاظ والجمل والأحكام والآراء التي نلتقطها من الكتب ، وإنما يعني أن نفتح ذكاءهم عن طريق الأشياء ، إن أساس كل علم هو أن نحسن اطلاع حواسنا على الأشياء المحسوسة كما يسهل فهمهما . بل إني لأرى أن هذا المبدأ هو مبدأ كل الأعمال الأخرى ، إذ لا نستطيع العمل والكلام بسداد وحكمة ما لم نفهم جيدا ما نريد أن نعمل أو نقول . ومن الثابت أن لا شيء في العقل لم يكن من قبل في الحس ؛ الأمر الذي يجعلنا نضع بحق أساس كل حكمة وكل بلاغة وكل عمل رشيد طيب ، حين ندرب الحواس بعناية على أن تدرك جيدا الفروق بين الأشياء الطبيعية ولما كانت هذه الناحية على فرط أهميتها مهملة عادة في مدارسنا اليوم ، ولما كان المعلمون يذكرون للطلاب أشياء لا يفهمونها أبدا ، لأن حواسهم لم تتمثلها ، وخيالهم لم يتصورها ، رأينا النصب في التعليم من جهة ، والمشقة في التعلم من جهة ثانية ، يسيطران ويورثان الضيق ، ولا ينتجان إلا ثمرات قليلة . . ينبغي ألا نقدم للشبيبة ظلال الأشياء وأشباحها ، بل علينا أن نقدم لهم الأشياء نفسها التي تحدث أثرا في الحواس والخيال وتنطبع فيها . ينبغي أن تبتدئ الثقافة بالملاحظة للأشياء لا بالوصف اللفظي لها ) 59 وكذلك أنكر هربارت فكرة اشتمال النفس على قدرات عقلية فطرية ، وبين أنها ترتبط بالعالم الخارجي أو بالبيئة عن طريق الجهاز العصبي ، وبهذا الاتصال يتزود العقل بمبادئه ومعلوماته الأولية ، وذلك بطريق الإدراك الحسي ؛ وعن هذا الطريق تتكون الحياة العقلية للطفل . وتفاعل هذه الظواهر يؤدي إلى المدركات العقلية