تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 99

مساهمون:

ص٩٩
وإليه الإشارة بقوله تعالى :
إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ
ثم إن ذلك التراب بله بالماء وخمره حتى اسود وأنتن ريحه ، وتغير ، وإليه الإشارة بقوله تعالى :
مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ
ثم ذلك الطين الأسود المتغير صوره صورة إنسان أجوف ، فلما جفّ ويبس كانت تدخل فيه الريح ، فتسمع له صلصلة ، يعني : صوتا ، وإليه الإشارة بقوله تعالى :
مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ .
تنبيه : وأما صفة خلق آدم عليه السّلام ، فإني أنقلها لك من الخازن بحروفه ، وذلك من سورة ( البقرة ) ، فقال وهب بن منبه - رحمه اللّه تعالى - : لما أراد اللّه تعالى أن يخلق آدم ؛ أوحى إلى الأرض أني خالق منك خليفة ، منهم من يطيعني ، ومنهم من يعصيني ، فبكت الأرض ، فانفجرت منها العيون إلى يوم القيامة ، فبعث اللّه إليها جبريل عليه السّلام ليأتيه بقبضة منها ، من أحمرها ، وأسودها ، وطيبها ، وخبيثها ، فلما أتاها ليقبض منها ، قالت : أعوذ بعزة اللّه الذي أرسلك إليّ أن لا تأخذ مني شيئا يكون للنار فيه نصيب ، فرجع جبريل إلى مكانه ، وقال : يا رب استعاذت بك مني ، فكرهت أن أقدم عليها ، فقال اللّه لميكائيل - عليه السّلام - انطلق فائتني بقبضة منها ، فلما أتاها ليقبض منها ، قالت له : مثل ما قالت لجبريل ، فرجع إلى ربه ، فقال ما قالت له ، فقال لعزرائيل عليه السّلام : انطلق فائتني بقبضة من الأرض ، فلما أتاها ليقبض منها ، قالت له مثل ما قالت لجبريل ولميكائيل ، فقال : وأنا أعوذ بعزته أن أعصي له أمرا ، فقبض منها قبضة من جميع بقاعها ، من عذبها ، ومالحها ، وحلوها ، ومرها ، وطيبها ، وخبثها ، وصعد بها إلى السماء . فسأله ربه عز وجل - وهو أعلم بما صنع - فأخبره بما قالت الأرض ، وبما رد عليها ، فقال اللّه عز وجل : وعزتي وجلالي لأخلقن مما جئت به خلقا ، ولأسلطنك على قبض أرواحهم ، لقلة رحمتك ، ثم جعل اللّه تلك القبضة ، نصفها في الجنة ، ونصفها في النار ، ثم تركها ما شاء اللّه ، ثم أخرجها ، فعجنها طينا لازبا مدة ، ثم حمأ مسنونا مدة ، ثم صلصالا ، ثم جعلها جسدا ، وألقاه على باب الجنة ، فكانت الملائكة يعجبون من صفة صورته ؛ لأنهم لم يكونوا رأوا مثله ، وكان إبليس يمر عليه ، ويقول لأمر مّا خلق هذا ، ونظر إليه ، فإذا هو أجوف ، فقل : هذا خلق لا يتمالك ، وقال يوما للملائكة : إن فضّل هذا عليكم ما تصنعون ؟ فقالوا : نطيع ربنا ، ولا نعصيه . فقال إبليس في نفسه : لئن فضّل علي لأعصينه ، ولئن فضّلت عليه لأهلكنّه ، فلما أراد اللّه تعالى أن ينفخ فيه الروح أمرها أن تدخل في جسد آدم ، فنظرت ، فرأت مدخلا ضيقا ، فقالت : يا رب كيف أدخل هذا الجسد ؟ قال اللّه عز وجل : ادخليه كرها ، وستخرجين منه كرها ، فدخلت في يافوخه ، فوصلت إلى عينيه ، فجعل ينظر إلى سائر جسده طينا ، فسارت إلى أن وصلت منخريه ، فعطس ، فلما بلغت لسانه ، قال : الحمد للّه رب العالمين ، وهي أول كلمة قالها ،
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 99 | الشيخ محمد علي طه الدرة