تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 80

مساهمون:

ص٨٠
الترك ، وقد سمع الماضي منهما سماعا نادرا فقالوا : وذر ، وودع بوزن وضع ، إلا أن ذلك شاذ في الاستعمال ؛ لأن العرب كلهم إلا قليلا منهم أميت هذا الماضي من لغاتهم ، وليس المعنى : أنهم لم يتكلموا به البتة ، بل تكلموا به دهرا طويلا ، ثم أماتوه بإهمالهم استعماله ، فلما جمع العلماء ما وصل إليهم من لغات العرب ؛ وجدوه مماتا إلا ما سمع منه سماعا نادرا . قال قطة العدوي : قال بعض المتقدمين : زعم النحاة : أن العرب أماتت ماضي « ودع » ومصدره ، واسم مفعوله ، واسم فاعله ، مع أنه قد قرأ عروة بن الزبير ، وابنه هشام قوله تعالى :
ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى
بتخفيف الدال ، بمعنى : ما تركك ، وكذا قرأ مقاتل ، وابن أبي عبلة ، وقال الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم : « شرّ الناس من ودعه الناس اتقاء شرّه » . وقال عليه الصلاة والسّلام : « دعوا الحبشة ما ودعوكم » . ورواه الجمل : « ذروا الحبشة ما وذرتكم » . وقال أبو العتاهية الصوفي : [ المنسرح ]
أثروا فلم يدخلوا قبورهم * شيئا من الثروة الّتي جمعوا
وكان ما قدّموا لأنفسهم * أعظم نفعا من الّذي ودعوا
وقال آخر : [ الطويل ]
وثمّ ودعنا آل عمرو وعامر * فرائس أطراء المثقّفة السّمر
وقال أنس بن رؤيم : [ الرمل ]
ليت شعري عن خليلي ما الّذي * غاله في الحبّ حتّى ودعه
فها هو الماضي قد ورد عن أفصح العرب قراءة وحديثا ، وكذا في شعر العرب ، وورد المصدر أيضا في قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « لينتهينّ قوم عن ودعهم الجمعات ، وفي رواية : ( الجماعات ) أو ليختمنّ اللّه على قلوبهم ، ثمّ ليكوننّ من الغافلين » . أخرجه مسلم وغيره ، وورد اسم المفعول ، واسم الفاعل من « ودع » في قول خفاف بن ندبة : [ الطويل ]
إذا ما استحمّت أرضه من سمائه * جرى ، وهو مودوع وواعد مصدق
فكيف يقال : إن العرب أماتته ؟ ! فالصواب القول بقلة الاستعمال ، لا بالإماتة . انتهى . بتصرف كبير . هذا ؛ وما قيل في « ودع » ومضارع « يدع » ، وأمره « دع » يقال في : وذر ، ومضارعه : « يذر » ، وأمره : « ذر » ، كما يقال في « وعم » ومضارعه « يعم » ، وأمره « عم » ، وانظر الشاهد رقم [ 308 ] من كتابنا فتح القريب تجد ما يسرك ، ويثلج صدرك .
الْأَمَلُ :
من أمّل يؤمّل ، تأميلا : إذا رجى الأمر ، وأكثر ما يستعمل فيما يستبعد حصوله بخلاف الطمع ، فإنه لا يكون إلا فيما يرجى حصوله ، وقد يكون « الأمل » بمعنى : الطمع ، وأما الرجاء ؛ فهو بين الأمل والطمع ، والآمال في الدنيا رحمة من اللّه تعالى ، حتى عمر بها الدنيا ،