تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 66

مساهمون:

ص٦٦
مهطعين نحو الداعي . وقيل : المهطع : الخاضع الذليل الساكت . انتهى خازن . والمراد ب : ( الداعي ) الذي ذكرته إسرافيل عليه السّلام قال تعالى في سورة ( ق ) :
وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ
فيقول : أيتها العظام البالية ، والأوصال المتقطعة ، واللحوم المتمزقة ، والشعور المتفرقة ، إن اللّه يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء . وقال مجاهد ، والضحاك : أي : مديمي النظر ، قال أبو عبيد : وقد يكون الوجهان جميعا ، يعني : الإسراع مع إدامة النظر .
مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ
أي : رافعي رؤوسهم ينظرون في ذلّ ، وإقناع الرأس : رفعه ، قاله ابن عباس ، ومجاهد - رضي اللّه عنهما - وهذا بخلاف المعتاد لأن من يتوقع البلاء فإنه يطرق ببصره إلى الأرض . وقال المهدوي : ويقال : أقنع : إذا رفع رأسه ، وأقنع : إذا طأطأ رأسه ذلة وخضوعا ، والآية محتملة الوجهين . انتهى قرطبي . وعليه فهو من الأضداد . قال الحسن : وجوه الناس يوم القيامة إلى السماء لا ينظر أحد إلى أحد ، وهو قوله تعالى :
لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ
أي : لا ترجع إليهم أبصارهم من شدة الخوف ، فهي شاخصة لا ترتد إليهم ، قد شغلهم ما بهم . انتهى . خازن . أقول : وهنا يجدر بالذكر قول الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم الذي رواه الشيخان عن عائشة - رضي اللّه عنها - : « يحشر الناس حفاة عراة غرلا » . قالت عائشة : فقلت : الرجال والنّساء جميعا ينظر بعضهم إلى بعض ؟ قال : « الأمر أشدّ من أن يهمّهم ذلك - وفي رواية - : من أن ينظر بعضهم إلى بعض » .
وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ
أي : قلوبهم خاوية خربة متخوفة ليس فيها خير ، ولا عقل ، ولا فهم لفرط الحيرة والدهشة ، ومنه يقال للأحمق وللجبان : قلبه هواء ؛ أي : لا رأي فيه ، ولا قوة ، ومنه قول حسان - رضي اللّه عنه - : [ الوافر ]
ألا أبلغ أبا سفيان عنّي * فأنت مجوّف نخب هواء
وقال تعالى :
وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً
أي : من كل شيء إلا من همّ موسى ، هذا ، والهوى يقصر ويمد ، والمراد بالأول : الحب ، والعشق ، والغرام ، وهو أيضا محبة الإنسان للشيء ، وغلبته على قلبه ، ومنه قوله تعالى :
فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى
وقوله جل ذكره :
وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى
أي : نهاها عن شهواتها ، وما تدعو إليه من معاصي اللّه تعالى ، ويراد بالممدود : ما بين السماء والأرض ، وقد جاء الهواء بمعنى : العشق ممدودا في الشعر ، ومنه قول الشاعر : [ الطويل ]
وهان على أسماء أن شطّت النّوى * نحنّ إليها والهواء يتوق
وإليك هذين البيتين ، فإنهما من النكت الحسان : [ الكامل ]
جمع الهواء مع الهوى في مهجتي * فتكاملت في أضلعي ناران
فقصرت بالممدود عن نيل المنى * ومددت بالمقصور في أكفاني