تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 600

مساهمون:

ص٦٠٠

[ سورة مريم ( 19 ) : آية 45 ]

يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا ( 45 ) الشرح :
يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ
أي : أعلم ، كما في قوله تعالى :
إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ
من الآية رقم [ 229 ] من سورة ( البقرة ) . وقيل : هو على ظاهره ؛ لأنه يمكن أن يؤمن ، فيكون من أهل الجنة ، أو يصر على الكفر ، فيكون من أهل النار ، فحمل الخوف على ظاهره أولى .
أَنْ يَمَسَّكَ :
يصيبك ، ويقع عليك .
عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ
أي : إن مت على ما أنت عليه من الكفر ،
فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا
أي : قرينا من النار . قال الخازن رحمه اللّه تعالى : واعلم : أن إبراهيم - على نبينا وعليه ألف صلاة ، وألف سلام - قد رتب الكلام في غاية الحسن ، مقرونا بالتلطف والرفق ، فإن قوله في مقدمة كلامه :
يا أَبَتِ
دليل على شدة الحب ، والرغبة في صرفه عن العقاب ، وإرشاده إلى الصواب ؛ لأنه نبه أولا على ما يدل على المنع من عبادة الأصنام ، ثم أمره باتباعه في الإيمان ، ثم نبه على أنّ طاعة الشيطان غير جائزة في العقول ، ثم ختم الكلام بالوعيد الزاجر عن الإقدام على ما لا ينبغي ، بقوله :
إِنِّي أَخافُ . . .
إلخ ثم قال : وإنما فعل إبراهيم هذا مع أبيه لأمور : أحدها : لشدة تعلق قلبه بصلاح أبيه ، وأداء حق الأبوة ، والرفق به ، وثانيها : أن النبي الهادي إلى الحق لا بد أن يكون رفيقا لطيفا حتى يقبل منه كلامه ، وثالثها : النصح لكل أحد . فالأب أولى . انتهى . كيف لا ؟ وقد روى أبو هريرة - رضي اللّه عنه - أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « أوحى اللّه إلى إبراهيم عليه السّلام : يا خليلي حسّن خلقك ، ولو مع الكفّار تدخل مدخل الأبرار ، وإنّ كلمتي سبقت لمن حسّن خلقه أن أظلّه تحت عرشي ، وأن أسقيه من حظيرة قدسي وأن أدنيه من جواري » . رواه الطبراني . الإعراب :
يا أَبَتِ :
انظر الآية رقم [ 41 ] .
إِنِّي :
حرف مشبه بالفعل ، وياء المتكلم اسمها .
أَخافُ :
مضارع ، والفاعل مستتر تقديره : « أنا » ، والمصدر المؤول من :
أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ
في محل نصب مفعول به .
مِنَ الرَّحْمنِ :
متعلقان ب :
عَذابٌ
أو بمحذوف صفة له ، وجملة :
أَخافُ . . .
إلخ في محل رفع خبر ( إنّ ) .
فَتَكُونَ :
مضارع ناقص معطوف بالفاء على
يَمَسَّكَ
فهو منصوب مثله ، واسمه ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره : « أنت » .
لِلشَّيْطانِ :
متعلقان ب :
وَلِيًّا
بعدهما ، أو بمحذوف حال منه على مثال ما رأيت في الآية رقم [ 4 ] .
وَلِيًّا :
خبر ( تكون ) . تأمل ، وتدبر ، وربك أعلم ، وأجل ، وأكرم ، والآية بكاملها من مقول إبراهيم على نبينا وعليه ألف صلاة ، وألف سلام .

[ سورة مريم ( 19 ) : آية 46 ]

قالَ أَ راغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا ( 46 ) الشرح :
قالَ
أي : أبوه .
أَ راغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ
أي : تاركها ، وتارك عبادتها . هذا ؛ وقال البيضاوي - رحمه اللّه تعالى - قابل استعطافه ، ولطفه في الإرشاد بالفظاظة ، وغلظة