تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 58

مساهمون:

ص٥٨
هاهنا بيت اللّه ببنيه هذا الغلام ، وأبوه ، وإن اللّه لا يضيع أهله ، وكان البيت مرتفعا من الأرض كالرابية تأتيه السيول ، فتأخذ عن يمينه وشماله ، فكانت كذلك ؛ حتى مرت بهم رفقة من جرهم ، أو أهل بيت من جرهم مقبلين من طريق كداء ، فنزلوا في أسفل مكة ، فرأوا طائرا عائفا ، فقالوا : إن هذا الطائر ليدور على ماء ، لعهدنا بهذا الوادي ، وما فيه ماء ، فأرسلوا جريّا ، أو جريّين ، فإذا هم بالماء ، فرجعوا ، فأخبروهم بالماء ، فأقبلوا . قال : وأم إسماعيل عند الماء ، فقالوا : أتأذنين لنا أن ننزل عندك ؟ فقالت : نعم ، ولكن لا حق لكم في الماء . قالوا : نعم ، قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فألف ذلك أمّ إسماعيل ، وهي تحب الأنس ، فنزلوا ، وأرسلوا إلى أهليهم ، فنزلوا معهم ، حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم ، وشب الغلام ، وتعلم العربية منهم ، وأنفسهم ، وأعجبهم حيث شب ، فلما أدرك الحلم ؛ زوجوه امرأة منهم ، وماتت أم إسماعيل . فجاء إبراهيم - عليه السّلام - بعدما تزوج إسماعيل يطالع تركته ، فلم يجد إسماعيل ، فسأل امرأته عنه ، فقالت : خرج يبتغي لنا ، ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم ، فقالت : نحن بشر ، نحن في ضيق وشدة ، فشكت إليه ، قال : فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه السّلام ، وقولي له : يغيّر عتبة بابه ، فلما جاء إسماعيل عليه السّلام كأنه آنس شيئا ، فقال : هل جاءكم من أحد ؟ قالت : نعم جاءنا شيخ كذا وكذا ، فسألنا عنك ؛ فأخبرته ، وسألني كيف عيشنا ، فأخبرته أنا في جهد وشدة ، قال : فهل ، أوصاك بشيء ؟ قالت : نعم أمرني أن أقرأ عليك السّلام ، ويقول : غيّر عتبة بابك ، قال : ذاك أبي ، وقد أمرني أن أفارقك ؛ إلحقي بأهلك ، فطلقها ، وتزوج منهم أخرى ، فلبث عنهم إبراهيم ما شاء اللّه ، ثم أتاهم بعد ، فلم يجده ، فدخل على امرأته ، فسألها عنه ، فقالت : خرج يبتغي لنا ، قال : كيف أنتم ؟ وسألها عن عيشهم وهيئتهم ، فقالت : نحن بخير وسعة ، وأثنت على اللّه ، فقال : ما طعامكم ؟ قالت : اللحم ، قال : فما شرابكم ؟ قالت : الماء ، قال : اللهم بارك لهم في اللحم ، والماء ! . قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « ولم يكن لهم يومئذ حب ، ولو كان لهم دعا لهم فيه » . قال : فهما لا يخلو عليهما أحد بغير مكّة ، إلا لم يوافقاه ، قال : فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه السّلام ، ومريه يثبت عتبة بابه ، فلما جاء إسماعيل عليه السّلام ، قال : هل أتاكم من أحد ؟ قالت : نعم ، أتانا شيخ حسن الهيئة ، وأثنت عليه ، فسألني عنك ، فأخبرته ، فسألني كيف عيشنا ؟ فأخبرته أنّا بخير ، قال : فأوصاك بشيء ؟ قالت : نعم ، هو يقرأ عليك السّلام ، ويأمرك أن تثبت عتبة بابك ، قال : ذاك أبي ، وأنت العتبة أمرني أن أمسكك ، ثم لبث عنهم ما شاء اللّه ، ثم جاء بعد ذلك ، وإسماعيل عليه السّلام يبري نبلا له تحت دوحة قريبا من زمزم ، فلما رآه قام إليه ، فصنعا كما يصنع الوالد بالولد ، والولد بالوالد ، ثم قال : يا إسماعيل ! إن اللّه أمرني بأمر ، قال : فاصنع ما أمرك ربك ، قال : وتعينني ، قال : وأعينك ، قال : فإن اللّه أمرني أن أبني هاهنا بيتا ، وأشار إلى أكمة مرتفعة