تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 579

مساهمون:

ص٥٧٩
قال : أخبريني يا مريم ، هل ينبت زرع بغير بذر ؟ وهل ينبت شجر بغير غيث ؟ وهل يكون ولد من غير ذكر ؟ قالت : نعم ألم تعلم أن اللّه أنبت الزرع يوم خلقه من غير بذر ؟ ألم تر أن اللّه أنبت الشجرة بالقدرة من غير غيث ؟ أو تقول أن اللّه تعالى لا يقدر أن ينبت الشجرة حتى استعان بالماء ، ولولا ذلك لم يقدر على إنباتها . قال يوسف : أنا لا أقول هذا ، ولكني أقول : إن اللّه تعالى قادر على كل شيء ، يقول له : كن فيكون . قالت له مريم : ألم تعلم أن اللّه خلق آدم ، وامرأته من غير ذكر ، ولا أنثى ، فعند ذلك زال ما عنده من التهمة ، وكان ينوب عنها في خدمة المسجد لاستيلاء الضعف عليها بسبب الحمل ، فلما دنت ، ولادتها ، أوحى اللّه إليها أن أخرجي من أرض قومك . انتهى خازن . وهذا يفيد أن مدة الحمل متطاولة ، والمشهور : أن مريم عليها السّلام ، كانت مخطوبة لابن عمها يوسف المذكور ، واللّه أعلم بحقيقة الحال . هذا ؛ وانظر لشرح ( انتبذت ) في الآية رقم [ 16 ] .
قَصِيًّا :
بعيدا . من أهلها ، وراء الجبل ، إلى أقصى الوادي ، وهو وادي بيت لحم ، وإنما بعدت ، وتنحت فرارا من تعيير قومها إياها بالولادة من غير زوج . الإعراب :
فَحَمَلَتْهُ :
الفاء : حرف استئناف . ( حملته ) : ماض ، والتاء للتأنيث ، والهاء مفعول به ، والفاعل يعود إلى مريم ، والجملة الفعلية مستأنفة ، لا محل لها ، وهي في الحقيقة معطوفة على جملة محذوفة ، انظر الشرح . وانظر إعراب مثل :
فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا
في الآية رقم [ 16 ] والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها ، لا محل لها مثلها ، والجار والمجرور :
بِهِ
متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر ، التقدير : انتبذت ؛ وهو معها في بطنها .

[ سورة مريم ( 19 ) : آية 23 ]

فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا ( 23 ) الشرح :
فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ . . .
إلخ : أي : ألجأها شدة الطلق إلى ساق النخلة لتعتمد عليه ، ولتستر به ، وكان جذعا يابسا لا رأس له ، ولا ورق فيه ، وكان الوقت شتاء ، فلما اعتمدت عليه ؛ اخضر ، وأطلع الجريد ، والخوص ، والثمر الطيب في وقت واحد ، سبحانه وتعالى من إله قادر مقتدر ، وأل التعريف ، إما للجنس ، وإما للعهد ؛ إذ لم يكن ثمة غيرها ، وكانت كالمتعالم عند الناس . هذا ؛ والفعل : ( أجاء ) منقول من جاء ، إلا أن استعماله قد تغير بعد النقل إلى معنى الإلجاء ، والاضطرار ، ونظيره : آتى حيث لم يستعمل إلا في الإعطاء ، وهو منقول من : أتى بمعنى : جاء . هذا ؛ ويقرأ : ( فاجأها ) من المفاجأة ، ويقرأ
الْمَخاضُ
بفتح الميم وكسرها .
قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا
أي : اليوم ، أو الحمل ، أو الولادة ، تمنت الموت استحياء من الناس ، وخوفا من الفضيحة ، وتعيير أهلها بها ، وذلك يكون فيه هتك لكرامتهم ، وحط لشرفهم . هذا ؛ و
مِتُّ
يقرأ بكسر الميم ، وضمها .
وَكُنْتُ نَسْياً
أي : ما من شأنه أن ينسى ،
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 579 | الشيخ محمد علي طه الدرة