تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 532

مساهمون:

ص٥٣٢
وَوَجَدَ عِنْدَها :
عند تلك العين .
قَوْماً :
قيل : كان لباسهم جلود الوحش ، وطعامهم ما لفظه البحر ، وما نبت من الأرض ، وكانوا كفارا ، لذا خيره اللّه بين أن يعذبهم ، أو يدعوهم إلى الإيمان وهم أهل مدينة : جابرس ، ويقال لها بالسريانية : جرجيسا ، يسكنها قوم من نسل ثمود الذين آمنوا بصالح عليه السّلام ؛ أي : وكفروا مع تطاول الزمن . هذا ؛ وانظر شرح ( قوم ) في الآية رقم [ 13 ] من سورة ( النحل ) . وانظر ما ذكرته في ( مسجد ) في الآية رقم [ 21 ] . هذا ؛ وتجمع عين على : عيون ، وأعين ، وأعيان أيضا ، والأخير غير مشهور ، وقليل الاستعمال ، وأعين جمع قلة ، وغيره جمع كثرة ، والمراد : بها هنا عين الماء كما يظهر ، وتطلق على العين الباصرة ، وعلى الجاسوس ، كما في قولك : بث الأمير عيونه في المدينة ؛ أي : جواسيسه ، كما تطلق على ذات الشخص ، كما في قولك : جاء محمود عينه . وعين الشيء : خياره ، وتطلق على النقد من ذهب ، وغيره ، وإليك قول الشاعر : [ البسيط ]
واستخدموا العين منّي ، وهي جارية * وقد سمحت بها أيّام وصلهمو
فالمراد بالعين : ذاته ، والمراد : ب : « جارية » عينه التي تجري بالدمع ، والمراد : بقوله : « بها » : نقد الذهب ، وهذا يسمى في فن البديع : استخداما ، كما تطلق على الماء الجاري النابع من الأرض ، وتطلق على المطر الهاطل من السحاب . قال عنترة : [ الكامل ]
جادت عليه كلّ عين ثرّة * فتركن كلّ حديقة كالدّرهم
هذا ؛ وأعيان القوم : أشرافهم ، وبنو الأعيان : الإخوة من الأبوين .
قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ :
هذا القول له إن كان نبيا ؛ فهو وحي ، وإن كان وليا ؛ فهو إلهام .
إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا . . .
إلخ : خير اللّه ذا القرنين كما خير محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقال جل شأنه :
فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ
وقال جل ذكره :
فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً
فقد خيره اللّه بين تعذيبهم وبين الإحسان إليهم بالإرشاد ، وتعليم الشرائع ، والعفو ، والصفح عنهم ؛ إن هم استجابوا لذلك . واللّه أعلم بمراده ، وأسرار كتابه . تنبيه : لإمّا خمسة معان : أحدها : الشك ، نحو : جاءني إما زيد ، وإما عمرو . إذا لم تعلم الجائي منهما . الثاني : الإبهام : كما في قوله تعالى :
وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ
الآية رقم [ 106 ] من سورة ( التوبة ) . الثالث : التخيير ، وهو ما في الآية التي نحن بصدد شرحها ، وقوله تعالى :
قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ
ومثلها الآية رقم [ 65 ] من سورة ( طه ) . الرابع : الإباحة ، نحو : ( تعلّم إما فقها ، وإما نحوا ) .
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 532 | الشيخ محمد علي طه الدرة