تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 519

مساهمون:

ص٥١٩
اسْتَطْعَما أَهْلَها :
طلبا طعاما .
فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما :
قال أبي بن كعب - رضي اللّه عنه - عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « أتيا أهل قرية لئاما ، فطافا في المجالس ، فاستطعما أهلها ، فأبوا أن يضيّفوهما » . وعن أبي هريرة - رضي اللّه عنه - قال : « أطعمتهما امرأة من أهل بربر ، بعد أن طلبا من الرجال ، فلم يطعموهما ، فدعا موسى لنسائهم ، ولعن رجالهم » وعن قتادة - رضي اللّه عنه - قال : شر القرى التي لا تضيف الضيف . انتهى . وقد قال الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم : « من كان يؤمن باللّه واليوم الآخر فليكرم ضيفه » .
فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ
أي : يسقط ، وهذا من مجاز الكلام ؛ لأن الجدار لا إرادة له ، وإنما معناه : قرب ، ودنا من السقوط ، كما تقول : داري تنظر إلى دار فلان إذا كانت تقابلها ، فاستعير لها النظر ، كما استعير للجدار الإرادة ، وهو مستعمل في اللغة العربية نثرا ، ونظما . قال الشاعر : [ الوافر ]
يريد الرّمح صدر أبي براء * ويعدل عن دماء بني عقيل
فجعل للرمح إرادة بشيء ، وعدولا عن شيء آخر . وقال حسان - رضي اللّه عنه - : [ الخفيف ]
إنّ دهرا يلفّ شملي بجمل * لزمان يهمّ بالإحسان
وقال الزمخشري في كشافه : وسمعت من يقول : عزم السّراج أن يطفأ ، وطلب أن يطفأ . وإذا كان القول ، والنطق ، والشكاية ، والصدق ، والكذب ، والسكوت ، والتمرد ، والإباء ، والعزة ، والطواعية ، وغير ذلك مستعارة للجماد ، ولما لا يعقل ، فما بال الإرادة ؟ . انتهى .
فَأَقامَهُ
أي : سواه . وفي حديث أبي بن كعب عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « فقال الخضر بيده هكذا ؛ فأقامه » . وقال ابن عباس : هدمه ، وقعد يبنيه . وقال سعيد بن جبير - رضي اللّه عنه - : مسحه بيده ، وأقامه فقام . قال القرطبي : وهذا هو القول الصحيح ، وهو الأشبه بأفعال الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام ، بل والأولياء . وفي بعض الأخبار : إنّ سمك ذلك الحائط كان ثلاثين ذراعا بذراع ذلك القرن ، وطوله على وجه الأرض خمسمئة ذراع ، وعرضه خمسون ذراعا ، فأقامه الخضر عليه السّلام ؛ أي : سواه بيده فاستقام . انتهى .
لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً :
والمعنى : أنك قد علمت أننا جياع ، وأن أهل القرية لم يطعمونا ، فلو أخذت أجرا على عملك ؛ حتى نستدفع فيه الضرورة ، ومسيس الحاجة إلى الطعام . هذا ؛ وقد قيل في تفسير هذه الآيات التي وقعت لموسى مع الخضر عليهما السّلام : إنها حجة على موسى ، وعجب له ، وذلك : أنه لما أنكر خرق السفينة ؛ نودي : يا موسى ! أين كان تدبيرك هذا ، وأنت في التابوت مطروحا في اليم ؟ ! فلما أنكر أمر الغلام ؛ قيل له : أين إنكارك هذا من وكزك القبطي ، وقضائك عليه ؟ ! فلما أنكر إقامة الجدار ؛ نودي : أين هذا من رفعك حجر البئر لبنات شعيب دون أجر ؟ !