[ سورة إبراهيم ( 14 ) : آية 27 ]
يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ ( 27 )
الشرح :
يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ
أي : الذي ثبت بالحجة عندهم ، وتمكن من قلوبهم .
فِي الْحَياةِ الدُّنْيا :
فلا يزلون إذا افتتنوا في دينهم كزكريا ، ويحيى ، وجرجيس ، وشمعون ، والذين فتنهم أصحاب الأخدود ، وكالسحرة الذين صلبهم فرعون ، ويلحق بهم من أوذوا ، أو فتنوا من المسلمين ، وعذبوا في اللّه كعمار بن ياسر ، وأبيه ، وبلال ، وصهيب وغيرهم .
وَفِي الْآخِرَةِ
أي : في القبر حين يسألهم الملكان عن ربهم ، ودينهم ، ونبيهم ، فيجيبون بالصواب .
وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ
أي : الكفار ، فلا يهتدون للجواب بالصواب ، بل يقولون : لا ندري .
وَيَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ :
يعني من التوفيق ، والخذلان ، والهداية ، والإضلال ، والتثبيت ، وعدمه ، لا اعتراض عليه في جميع أفعاله ، لا يسأل عما يفعل ، وهم يسألون ، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [ 27 ] من سورة ( الرعد ) ، وانظر ما ذكرته من التعبير عن الكافرين بالظالمين ونحوه في الآية رقم [ 13 ] .
تنبيه : كثير من المفسرين يقولون : إن المراد بقوله تعالى :
فِي الْحَياةِ الدُّنْيا
سؤال القبر ، والمراد بقوله :
وَفِي الْآخِرَةِ
يوم القيامة عند البعث والحساب ، وأرى أن التفسير الأول أولى الأمور ؛ الأول : أن معنى الحياة لا يكون لمن دفن تحت الأرض وفارق الدنيا . الثاني : أن كل من خرجت روحه من جسده قد انتقل من دار إلى دار ، ومن حال إلى حال ، والدار الثانية غير الأولى ، والحال الثانية غير الأولى ، وهو واضح بداهة . الثالث : قد ورد أن كل من مات فقد قامت قيامته ، وانقطع عمله إلا من ثلاث : صدقة جارية ، أو علم ينتفع به ، أو ولد صالح يدعو له ، أو غير ذلك . الرابع : لم يثبت أن ابن آدم يسأل بعد البعث والحشر من ربك ومن نبيك . . . إلخ ، والذي ثبت أنه يسأل في القبر بعد الدفن ، والأحاديث الشريفة كثيرة في هذا المعنى ، وهي كلها مشفوعة بالآية الكريمة التي الكلام فيها أكتفي بما يلي :
عن أنس بن مالك - رضي اللّه عنه - أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « إنّ العبد إذا وضع في قبره ، وتولّى عنه أصحابه ، وإنّه ليسمع قرع نعالهم إذا انصرفوا عنه ، أتاه ملكان فيقعدانه ، فيقولان له :
ما كنت تقول في هذا الرّجل محمّد ؟ فأمّا المؤمن فيقول : أشهد أنّه عبد اللّه ورسوله ، فيقال له :
انظر إلى مقعدك من النار أبدلك اللّه به مقعدا من الجنة ، قال النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : فيراهما جميعا ، وأمّا الكافر ، أو المنافق ، فيقول : لا أدري كنت أقول ما يقول الناس فيه ، فيقال : لا دريت ولا تليت ، ثمّ يضرب بمطرقة من حديد ضربة بين أذنيه ، فيصيح صيحة يسمعها من يليه إلّا الثّقلين » .
رواه البخاري ، واللفظ له ، ومسلم .