تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 322

مساهمون:

ص٣٢٢

[ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 24 ]

وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً ( 24 ) الشرح :
وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ :
تذلل للوالدين ، وتواضع معهما تواضع الرعية للأمير ، والعبيد للسادة . وضرب خفض الجناح ، ونصبه مثلا لجناح الطائر حين ينتصب بجناحه للطيران ، ففيه استعارة مكنية ، فقد استعار الطائر للذل ، ثم حذفه ودل عليه بشيء من لوازمه ، وهو الجناح ، وإثبات الجناح للذل يسمونه استعارة تخييلية ، ومثله قول أبي ذؤيب الهذلي : [ الكامل ]
وإذا المنيّة أنشبت أظفارها * ألفيت كلّ تميمة لا تنفع
حيث أثبت الأظفار للمنية ، وهي لا ترى ، ولا تشاهد على طريقة الاستعارة التخييلية . وأيضا قول لبيد - رضي اللّه عنه - : [ الكامل ]
وغداة ريح قد كشفت وقرّة * إذ أصبحت بيد الشّمال زمامها
فقد جعل للشمال يدا ، وللقرة - أي : البرد - زماما على مثال ما رأيت . هذا ؛ ويقرأ الذل بضم الذال وكسرها . هذا ؛ والخطاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، والمراد : المؤمنون من أمته ؛ إذ لم يكن له عليه السّلام في ذلك الوقت أبوان . هذا ؛ ولم يذكر الذل في قوله تعالى :
وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ
وذكره هنا بحسب عظم الحق وتأكيده ، وتنزيها له صلّى اللّه عليه وسلّم من الذل ، انظر الآية [ 88 ] من سورة ( الحجر ) .
مِنَ الرَّحْمَةِ :
من فرط رحمتك ، وشدة شفقتك عليهما لافتقارهما إلى من كان أفقر خلق اللّه إليهما بالأمس ، وهو الولد نفسه .
وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما
أي : واسأل اللّه تعالى أن يرحمهما برحمته الباقية ، ولا تكتف برحمتك ، وشفقتك الفانيتين .
كَما رَبَّيانِي صَغِيراً :
خص التربية بالذكر ليتذكر العبد شفقة الأبوين وتعبهما في التربية ، فيزيده ذلك إشفاقا لهما ، وحنانا عليهما . تنبيه : لقد بين اللّه في هاتين الآيتين مكانة الأبوين في الإسلام ، وقد ، أوصى ببرهما ، ورحمتهما ، والإشفاق عليهما ، فنهى الولد عن أمرين ، وأمره بثلاثة تجاه والديه ، نهاه عن التضجر منهما ، ونهرهما ، وأمره بالتواضع لهما ، والتذلل بين أيديهما ، وأن يقول لهما قولا لينا لطيفا ، وأن يدعو لهما بالرحمة ، والمغفرة لذنوبهما ، وأن يعفو اللّه عنهما ، ويدخلهما فسيح جنته ، وقد وردت أحاديث شريفة تأمر ببرّ الوالدين ، ومثلها تنهى عن عقوقهما ، أكتفي منها بما يلي : عن عبد اللّه بن عباس - رضي اللّه عنهما - قال : قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « من أمسى ، وأصبح مرضيا لوالديه ؛ أمسى ، وأصبح ؛ وله بابان مفتوحان إلى الجنة ، وإن واحدا فواحدا ، ومن أمسى وأصبح ، مسخطا لوالديه ؛ أمسى وأصبح ، وله بابان مفتوحان إلى النار ، وإن واحدا فواحدا » . فقال رجل : يا رسول اللّه ! وإن ظلماه . قال : « وإن ظلماه ، وإن ظلماه ، وإن ظلماه » .