فإنه إن كان معسرا ؛ فظاهر ، وإن كان موسرا ؛ لم يدعه الحرص ، وخوف الفوات أن يهنأ بعيشه ، فيعلم من هذا أنّ عيش المؤمن في الدنيا ، وإن كان فقيرا أطيب من عيش الكافر ، وإن كان غنيا ؛ لأن المؤمن لما علم : أنّ رزقه من عند اللّه ، وذلك بتقديره ، وتدبيره ، وعرف : أنّ اللّه محسن كريم متفضل ، لا يفعل إلا الصواب ، فكان راضيا عن اللّه ، راضيا بما قدّره اللّه له ، فاستراحت نفسه من الكدّ والحرص ، فطاب عيشه بذلك ، وأما الكافر ، أو الجاهل بهذه الأصول - وإن كان مسلما - لحريص على طلب الرزق ، فيكون أبدا في حزن ، وتعب ، وعناء ، وحرص ، وكد ، ولا ينال من الرزق إلا ما قدّر له ، فظهر بهذا : أن عيش المؤمن القنوع أطيب من عيش غيره .
هذا ؛ وقال السدي : الحياة الطيبة إنما تحصل في القبر ؛ لأن المؤمن يستريح بالموت من نكد الدنيا ، وتعبها . وقال قتادة ، ومجاهد : المراد بالحياة الطيبة : الجنة . وروي عن الحسن : أنه قال : لا تطيب لأحد الحياة إلا في الجنة ؛ لأنها حياة بلا موت ، وغنى بلا فقر ، وصحة بلا سقم ، وملك بلا هلك ، وسعادة بلا شقاوة ، فثبت بهذا : أن الحياة الطيبة لا تكون إلا في الجنة ، ولقوله في سياق الآية :
وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ . . .
إلخ لأن ذلك الجزاء إنما يكون في الجنة . انتهى .
خازن . وينبغي أن تعلم : أنه قد روعي لفظ ( من ) بإعادة الضمير مفردا بقوله :
فَلَنُحْيِيَنَّهُ
وروعي معناها بإعادة الضمير جمعا بقولهم :
وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ . . .
إلخ . وانظر رقم [ 94 ] من سورة ( الأنبياء ) .
تنبيه : ذكر اللّه في الآية الكريمة قبول الأعمال الصالحة من العاملين ذكورا ، وإناثا ، ووعدهم عليها الحياة الطيبة ، والجزاء الحسن في الآخرة ، وهو ممّا يستدل به على أنّ الذّكر ، والأنثى من بني آدم في المسؤولية ، والتكليف سواء ، وفي الإثابة ، والعقاب على سواء أيضا ، كيف لا وقد قال تعالى في سورة ( آل عمران ) رقم [ 195 ] :
فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى
ووصف النساء ، والرجال بعشر صفات في الآية رقم [ 35 ] من سورة ( الأحزاب ) . وأما ما نشاهده في كثير من الآيات من تخصيص الذّكور بالذّكر ، مثل ( المؤمنين ) و ( المتقين ) و ( الفاسقين ) و ( الظالمين ) . . . إلخ ؛ فإنما هو من باب التغليب ، أو إنّ الإناث ملحقة بالذكور إلحاقا ، واللّه أعلم بمراده ، وأسرار كتابه .
تنبيه : لقد شرط اللّه الإيمان لقبول الأعمال الصالحة ؛ لأن العمل الصالح بدون إيمان باللّه وبمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم لا يغني فتيلا ، وذكر الإيمان مع العمل الصالح يسمّى في علم البديع : احتراسا ، فلو لا شرط الإيمان ؛ لفهم : أنّ كل عمل صالح مقبول ، وأنّ كل عامل خيرا يدخل الجنة . وانظر أعمال الكافرين وجزاءهم في الآية رقم [ 15 ] من سورة ( هود ) عليه السّلام . وانظر احتراسا آخر في الآية رقم [ 29 ] من سورة ( الرعد ) . وانظر الإيمان في الآية [ 38 ] .
الإعراب :
مَنْ :
اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ .
عَمِلَ :
ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط ، والفاعل يعود إلى
مَنْ ،
تقديره : « هو » .