تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 234

مساهمون:

ص٢٣٤

[ سورة النحل ( 16 ) : آية 78 ]

وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 78 ) الشرح :
وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً
أي : جهالا ، لا تعرفون شيئا من أمور دينكم ، ودنياكم ، وتدبير معايشكم .
وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ
أي : أعطاكم اللّه هذه الحواس لتستفيدوا بها ، فجعل لكم السمع لتسمعوا به نصوص الكتاب والسنة ، وهي الدلائل السمعية ؛ لتستدلوا بها على ما يصلحكم في أمر دينكم ، وجعل لكم الأبصار ؛ لتبصروا بها عجائب مصنوعاته ، وغرائب مخلوقاته ، فتستدلوا به على وحدانيته ، وجعل لكم الأفئدة ؛ لتعقلوا بها ، وتفهموا معاني الأشياء ، التي جعلها دلائل وحدانيته . انتهى . خازن . تنبيه : وحّد السمع دون القلوب ، والأبصار ؛ لأمن اللبس ، ولأنه في الأصل مصدر ، يقال : سمعت الشيء ، سماعا وسمعا ، والمصدر لا يجمع ؛ لأنه اسم جنس يقع على القليل والكثير ، فلا يحتاج فيه إلى تثنية ، أو جمع . وقيل : وحّد السمع ؛ لأن مدركاته نوع واحد ، وهو الصوت ، ومدركات القلب والبصر مختلفة ، والأفئدة جمع فؤاد ، وهو القلب . هذا ؛ ونص الآية وظاهرها يدلّ على أنّ الحواس الثلاث خلقت بعد الإخراج من البطون ، وقد قال العلماء الأفذاذ : إنّ تقديم الإخراج ، وتأخير ذكر الحواس لا يدلّ على أنّ خلقها كان بعد الإخراج ؛ لأن الواو لمطلق الجمع ، ولا توجب الترتيب ؛ ولأن العرب تقدم ، وتؤخر في كلامها ، وخذ قول الأحوص : [ الوافر ]
ألا يا نخلة من ذات عرق * عليك ورحمة اللّه السّلام
فقد عطف المقدم على متبوعه ، قال ابن هشام في مغنيه : وهو مما اختصت به الواو . وانظر الشاهد [ 667 ] من كتابنا : « فتح القريب المجيب » .
لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
أي : كي تعرفوا ما أنعم اللّه به عليكم طورا بعد طور ، فتشكروه على تلك النعم ، انظر الشكر في الآية رقم [ 7 ] و [ 39 ] من سورة ( إبراهيم ) عليه الصلاة ، والسّلام . هذا ؛ والترجي في هذه الآية وأمثالها ، إنما هو بحسب عقول البشر ؛ لأن اللّه تعالى لا يحصل منه ترج ، ورجاء لعباده . تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا ! . هذا ؛ و
أُمَّهاتِكُمْ :
جمع أم ، والقياس أن يكون جمعها : ( أمات ) قال الزمخشري : والهاء مزيدة في : أمات ، كما زيدت في أراق ، فقيل : أهراق ، وشذت زيادتها في الواحدة في قول قصي الجد الرابع للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم : [ الرجز ]
أمّهتي خندف والياس أبي * عند تناديهم بهال وهب
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 234 | الشيخ محمد علي طه الدرة