تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 137

مساهمون:

ص١٣٧
مفعول به ثان منصوب ، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة ؛ لأنه جمع مذكر سالم ، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد ، وجملة :
جَعَلُوا . . .
إلخ صلة الموصول ، لا محل لها .

[ سورة الحجر ( 15 ) : الآيات 92 إلى 94 ]

فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ( 92 ) عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ ( 93 ) فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ( 94 ) الشرح :
فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ :
أقسم اللّه بنفسه : أنه يسأل هؤلاء المقتسمين الذين مرّ ذكرهم .
عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ
أي : من الكفر ، والمعاصي ، والمنكرات . هذا ؛ وقيل : يسألون عن قول لا إله الا اللّه ، دليله ما رواه أنس بن مالك - رضي اللّه عنه - ، عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في قوله تعالى :
فَوَ رَبِّكَ . . .
إلخ قال : عن قول : لا إله إلا اللّه . قال أبو عبد اللّه : معناه : عندنا : عن صدق لا إله إلا اللّه ، ووفائها ، والتصديق بها ، والعمل بمقتضاها ، كما قال الحسن البصري - رحمه اللّه تعالى - : ليس الإيمان بالتّحلّي ، ولا الدّين بالتمنّي ، ولكن ما وقر في القلوب وصدّقته الأعمال ، ولهذا قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « من قال لا إله إلّا اللّه مخلصا دخل الجنّة » . قيل : يا رسول اللّه ! وما إخلاصها ؟ قال : « أن تحجزه عن محارم اللّه » . رواه زيد بن أرقم - رضي اللّه عنه - . وانظر ما ذكرته من الاحتراس في الآية رقم [ 31 ] من سورة ( الرعد ) . قال القرطبي : والآية بعمومها تدل على سؤال الجميع ، ومحاسبتهم ، كافرهم ، ومؤمنهم . وفي سؤال الكافر ومحاسبته خلاف بين العلماء ، والذي يظهر سؤاله ؛ لقوله تعالى :
وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ
وقوله :
إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ ( 25 ) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ ،
فإن قيل : فقد قال اللّه تعالى :
وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ
وقال :
وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ ؟ .
قلنا : القيامة مواطن ، فموطن يكون فيه سؤال وكلام ، وموطن لا يكون ذلك فيه . وقال ابن عباس - رضي اللّه عنهما - لا يسألهم سؤال استخبار ، واستعلام ، ولكن يسألهم سؤال تقريع ، وتوبيخ ، فيقول لهم : لم عصيتم القرآن ؟ وما حجتكم فيه ؟ . انتهى . بتصرف كبير . قال ابن عادل : وأليق الوجوه بهذه الآية الاستعتاب لقوله تعالى :
ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ
وقوله تعالى :
هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ ( 35 ) وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ .
فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ . . .
إلخ : أي : اجهر بالدعوة إلى اللّه ، وإلى عبادته ، وكان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يدعو إلى اللّه مستخفيا في دار الأرقم بن أبي الأرقم ؛ حتى نزلت الآية الكريمة ، فصعد على الصفا ، ونادى : يا معشر قريش ! فهرعوا إليه ، فقال لهم : « لو أخبرتكم أن خيلا وراء هذا الوادي تريد أن تغير عليكم ، أكنتم مصدقيّ ؟ » . قالوا : ما جرّبنا عليك كذبا ، فقال لهم : « إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد » .
وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ
أي : اكفف عنهم ، ولا تلتفت إلى لومهم على إظهار
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 137 | الشيخ محمد علي طه الدرة