تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 705

مساهمون:

ص٧٠٥
فحذف لدلالة الكلام عليه ، ومعنى بقدرها : بملئها ، الكبير بقدره ، والصغير بقدره ، وفيه احتراس من أن السيل غير ضار للممطور ، بل هو نافع له . وقال ابن عباس - رضي اللّه عنهما - أنزل من السماء ماء ، يعني : قرآنا ، وهذا مثل ضربه اللّه تعالى ، ويريد بالأودية القلوب ، شبه نزول القرآن الجامع للهدى والنور والبيان بنزول المطر ؛ لأن المطر إذا نزل عم نفعه ، وكذلك نزول القرآن ، وشبه القلوب بالأودية ؛ لأن الأودية يستقر فيها الماء ، وكذلك القلوب يستقر فيها القرآن ، والعرفان ببركة نزول القرآن فيها ، وهذا خاص للمؤمنين ؛ لأنهم الذين انتفعوا بالقرآن وخذ ما يلي : عن أبي موسى الأشعري - رضي اللّه عنه - قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « مثل ما بعثني اللّه به من الهدى والعلم ، كمثل غيث أصاب أرضا ، فكانت منها طائفة طيّبة ، قبلت الماء ، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير ، وكان منها أجادب ، أمسكت الماء ، فنفع اللّه بها الناس ، فشربوا منها ، وسقوا وزرعوا ، وأصاب طائفة منها أخرى ، إنّما هي قيعان ، لا تمسك ماء ، ولا تنبت كلأ ، فذلك مثل من فقه في دين اللّه ، ونفعه ما بعثني اللّه به ، فتعلّم وعلّم ، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ، ولم يقبل هدى اللّه الذي أرسلت به » . متفق عليه . قال العلماء : الأرض ثلاثة أنواع ، وكذلك الناس ؛ لأنهم منها خلقوا ، فالنوع الأول من أنواع الأرض : الطيبة التي تنتفع بالمطر ، فتنبت به العشب ، فينتفع الناس به والدواب بالشرب والرعي وغير ذلك ، وكذلك النوع الأول من الناس من يبلغه الهدى وغير ذلك من العلم ، فيحيا به قلبه ، ويحفظه ، ويعمل به ، ويعلمه غيره ، فينتفع به وينفع غيره . النوع الثاني من الأرض : أرض لا تقبل الانتفاع في نفسها ، لكن فيها فائدة لغيرها ، وهي إمساك الماء لغيرها ؛ لينتفع به الناس والدواب ، وكذلك النوع الثاني من الناس ، لهم قلوب حافظة ، لكن ليس لهم أفهام ثاقبة ، فيبقى ما عندهم من العلم حتى يجيء المحتاج إليه المتعطش لما عندهم من العلم ، فيأخذه منهم ، فينتفع به هو وغيره . النوع الثالث من الأرض : أرض سبخة ، لا تنبت مرعى ، ولا تمسك ماء ، كذلك النوع الثالث من الناس ، ليس لهم قلوب حافظة ولا أفهام ثاقبة ، فإذا بلغهم شيء من العلم ، لا ينتفعون به في أنفسهم ، ولا ينفعون غيرهم ، واللّه أعلم .
فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً
أي : حمل السيل المذكور الحاصل من سيلان الأودية فوق سطحه زبدا ، وهو ما يعلو الماء من الرغوة .
رابِياً
: منتفخا مرتفعا ، قال الخازن : وهنا تم المثل .
وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ
: هذا مثل آخر ، والمعنى ينشأ زبد آخر مثل زبد الماء فوق ما يغلى في النار .
ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ
: والمراد بذلك ما يغلى في النار من الأتربة المخلوطة ببعض المعادن كالذهب والفضة ونحوهما ، لاستخراجه من التراب بواسطة النار ، والضمير في
عَلَيْهِ
يعود إلى ما يطلب للزينة والحلية من المعادن الثمينة ، وإن لم يكن مذكورا ؛ لأن الحلية لا تطلبه
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 705 | الشيخ محمد علي طه الدرة