تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 674

مساهمون:

ص٦٧٤
ذلك ؛ لما شاهدوا من إمهال اللّه إياهم ، ولا يمتنع حمل الضمير في
وَظَنُّوا
على المرسل إليهم ، وإن لم يتقدم لهم ذكر ؛ لأن ذكر الرسل يدل على ذكر المرسل إليهم ، وإن شئت قلت : إن ذكرهم جرى في قوله تعالى :
أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
أي : مكذبي الرسل . هذا ؛ ويقرأ : ( وكذبوا ) بتشديد الذال ، ووجهه ظاهر ، وهو أن معناه :
حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ
من إيمان قومهم ، و
وَظَنُّوا
يعني : وأيقن الرسل أن الأمم قد كذبوهم تكذيبا لا يرجى بعده إيمانهم ، فالظن بمعنى اليقين ، وهذا معنى قول قتادة ، وقال بعضهم : معناه : حتى إذا استيأس الرسل ممن كذبهم من قومهم أن يصدقوهم ، وظنوا : أن من قد آمن بهم من قومهم قد فارقوهم ، وارتدوا عن دينهم لشدة البلاء والمحنة ، واستبطؤوا النصر ؛ أتاهم النصر ، وعلى هذا القول الظن بمعنى الحسبان ، والتكذيب مظنون من جهة من آمن بهم . انتهى . خازن باختصار . هذا ؛ وقال القرطبي : وهذه الآية فيها تنزيه الأنبياء وعصمتهم عما لا يليق بهم ، وهذا الباب عظيم ، وخطره جسيم ينبغي الوقوف عليه لئلا يزل الإنسان فيكون في سواء الجحيم . انتهى . بعد هذا فعن عروة بن الزبير : أنه سأل عائشة - رضي اللّه عنهم أجمعين - عن قوله تعالى :
حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا
أو ( كذبوا ) قالت : بل كذبهم قومهم ، فقلت : واللّه لقد استيقنوا أن قومهم كذبوهم ، وما هو بالظن ، فقالت : يا عروة أجل ، لقد استيقنوا بذلك ، فقلت : لعلها قد كذّبوا ، فقالت : معاذ اللّه ، لم تكن الرسل تظن ذلك بربها ! قلت : فما هذه الآية ؟ قالت : هم أتباع الرسل الذين آمنوا بربهم ، وصدقوهم ، فطال عليهم البلاء ، واستأخر عنهم النصر ، حتى إذا استيأس الرسل ممن كذبهم من قومهم ، وظنوا أن أتباعهم كذبوهم ، جاءهم نصر عند ذلك . انتهى . خازن . وقال ابن عباس - رضي اللّه عنهما - :
قَدْ كُذِبُوا
خفيفة ، وتلا قوله تعالى :
وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ
أي : إنه جعل هذه الآية شبيهة بآية البقرة رقم [ 213 ] . وهذا إن صح عنه ، فيكون قد أراد بالظن ما يهجس في القلب من الوسوسة ، هذا ؛ وقرئ : ( كذبوا ) بالتخفيف والبناء للمعلوم ، فيكون المعنى : وظن الرسل أنهم قد كذبوا فيما حدثوا عند قومهم لما تراخى النصر عنهم ، ولم يروا له أثرا .
فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ
: المراد به النبي وأتباعه ، وإنما لم يعينهم للدلالة على أنهم هم الذين يستأهلون النجاة لا يشاركهم فيها غيرهم ، وقرئ : ( فننجي ) وقرئ : ( فنجا ) وانظر الإعراب ،
وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ
أي : لا يدفع العذاب عن الكافرين إذا نزل بهم . الإعراب :
حَتَّى
: حرف ابتداء .
إِذَا
: ظرف لما يستقبل من الزمان ، خافض لشرطه ، منصوب بجوابه ، صالح لغير ذلك ، مبني على السكون في محل نصب ، وجملة :
اسْتَيْأَسَ
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 674 | الشيخ محمد علي طه الدرة