[ سورة يوسف ( 12 ) : آية 6 ]
وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 6 )
الشرح :
وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ
: يختارك ويصطفيك ، والاجتباء : اختيار معالي الأمور للمجتبى ، وأصله من : جبيت الشيء ، أي : حصلته ، ومنه : جبيت الماء في الحوض ، قاله النحاس ، هذا ؛ وأقول : يطلق الناس في هذه الأيام على الموظف الذي يحصل الضرائب من المكلفين اسم الجابي ، أي : للمال ، وفي الخازن : واجتباء اللّه للعبد تخصيصه إياه بفيض إلهي ، تحصل منه أنواع المكرمات بلا سعي من العبد ، وذلك مختص بالأنبياء ، وببعض من يقاربهم من الصديقين ، والشهداء والصالحين . انتهى .
وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ
أي : من تعبير الرؤيا في المنام ، فالمراد بالأحاديث : ما يراه الناس في النوم ، وهي معجزة له ، فإنه لم يلحقه فيها خطأ ، وكان أعلم الناس بتأويلها ، وكان نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم نحو ذلك ، وكان الصديق رضي اللّه عنه من أعبر الناس لها بعده صلّى اللّه عليه وسلّم ، وحصل لابن سيرين فيها التقدم العظيم ، ونحوه ، أو قريب منه كان سعيد بن المسيب فيما ذكروا ، وقيل :
المعنى : يعلمك أحاديث الأمم ودلائل التوحيد وتأويل غوامض كتب اللّه ، وسنن الأنبياء وكلمات التوحيد ، والمعتمد الأول . هذا ؛ و ( أحاديث ) جمع تكسير ، فيقال لواحد ملفوظ به :
وهو حديث ، وقد شذ جمعه على : ( أحاديث ) كما شذ أباطيل ، وأفاظيع ، وأعاريض ، في جمع باطل ، وفظيع ، وعريض .
وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ
أي : بالنبوة بأن يصل نعمة الدنيا بنعمة الآخرة ، وإن منصب النبوة أعلى من جميع المناصب .
وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ
أي : بنيه ، وذلك بالنبوة أيضا ، فإنهم منحوا النبوة كما ستعرفه فيما يأتي .
كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ
أي : أتم النعمة عليهما بالرسالة والنبوة ، وأتمها على إبراهيم بالخلة ، والإنجاء من النار ، قيل : أتمها على إسحاق بإنقاذه من الذبح ، وفدائه بذبح عظيم ، والمعتمد : أن الذبيح إسماعيل عليه السّلام ، كما ستعرفه في سورة ( الصافات ) إن شاء اللّه تعالى .
عَلِيمٌ
أي : بمن يستحق الاجتباء .
حَكِيمٌ
: يفعل الأمور على ما ينبغي . هذا ؛ وانظر أعمار الأسرة الكريمة في الآية [ 71 ] من سورة ( هود ) على نبينا ، وعليه ألف صلاة ، وألف سلام .
بعد هذا انظر شرح
رَبُّكَ
في الآية رقم [ 3 ] من سورة ( هود ) ، و
آلِ
أصله أهل ، فأبدلت الهاء همزة ساكنة ، فصار أأل ، ثم أبدلت الهمزة الثانية الساكنة مدّا مجانسا لحركة الهمزة الأولى على القاعدة ، مثل آمن أومن إيمانا ، أصله أأمن ، أؤمن ، أئمن ، إئمانا ، وقلب الهاء همزة سائغ مستعمل لغة ، كما في : ( أراق ) ، فإن أصله : ( هراق ) ، وهذا مذهب سيبويه ، وقال الكسائي : أصل آل ( أول ) ك