تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 514

مساهمون:

ص٥١٤
المؤمنين ، يدخلهم اللّه النار بذنوب اقترفوها ، ثم يخرجهم منها ، فيكون استثناء من غير الجنس ؛ لأن الذين أخرجوا من النار سعداء في الحقيقة استثناهم اللّه من الأشقياء ، ويدل على صحة هذا التأويل ما روي عن جابر بن عبد اللّه - رضي اللّه عنهما - ، قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنّ اللّه سبحانه وتعالى يخرج قوما من النّار بالشّفاعة فيدخلهم الجنّة » . أخرجه البخاري ومسلم . وعن أنس بن مالك رضي اللّه عنه أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « ليصيبنّ أقواما سفع من النّار بذنوب أصابوها عقوبة لهم ، ثمّ يدخلهم اللّه الجنّة بفضله ورحمته ، فيقال لهم : الجهنّميّون » . وأما الاستثناء الثاني المذكور في أهل السعادة ، فيرجع إلى مدة لبث هؤلاء في النار قبل دخولهم الجنة ، فعلى هذا القول يكون معنى الآية : فأما الذين شقوا ففي النار لهم زفير وشهيق ، خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك أن يخرجهم منها ، فيدخلهم الجنة . فحاصل هذا القول : أن الاستثناءين يرجع كل منهما إلى قوم مخصوصين ، هم في الحقيقة سعداء أصابوا ذنوبا استوجبوا عقوبة يسيرة في النار ، ثم يخرجون منها ، فيدخلون الجنة ؛ لأن إجماع الأمة على أن من يدخل الجنة لا يخرج منها أبدا . وقيل : إن الاستثناءين يرجعان إلى الفريقين : السعداء والأشقياء ، وهو مدة تعميرهم في الدنيا ، واحتباسهم في البرزخ ، وهو ما بين الموت والبعث ، ومدة وقوفهم للحساب ، ثم يدخل أهل الجنة الجنة ، وأهل النار النار ، فيكون المعنى خالدين في الجنة والنار إلا هذا المقدار ، وقيل غير ذلك ، والصحيح الأول . انتهى . خازن .
إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ
أي : من إخراج من أراد من النار ، وإدخالهم الجنة ، فهذا على الإجمال في حال الفريقين ، فأما على التفصيل ، فقوله تعالى :
إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ
في جانب الأشقياء يرجع إلى الزفير والشهيق ، وتقريره أنه يفيد حصول الزفير والشهيق مع خلود ؛ لأنه إذا دخل الاستثناء عليه وجب أن يحصل فيه هذا المجموع ، والاستثناء في جانب السعداء يكون بمعنى الزيادة ، يعني :
إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ
من الزيادة لهم من النعيم بعد الخلود ، وقيل غير ذلك ، ويدل على خلود أهل الجنة في الجنة : أن الأمة مجتمعة على أن من دخل الجنة لا يخرج منها ، بل هو خالد فيها . انتهى . خازن . الإعراب :
خالِدِينَ
: حال من الضمير في :
لَهُمْ
أو في :
فِيها
والعامل في الحال متعلق :
لَهُمْ
فهو منصوب ، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة ؛ لأنه جمع مذكر سالم ، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد .
فِيها
: متعلقان ب
خالِدِينَ
.
ما
: ظرفية مصدرية .
دامَتِ
: ماض تام ، والتاء للتأنيث حرف لا محل له .
السَّماواتُ
: فاعل ( دام ) . ( الأرض ) : معطوف على ما قبله ، و
ما
والفعل ( دام ) في تأويل مصدر في محل نصب على الظرفية الزمانية متعلق ب
خالِدِينَ
أيضا ، التقدير : مدة دوام السماوات والأرض .
إِلَّا
: أداة استثناء .