تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 481

مساهمون:

ص٤٨١

[ سورة هود ( 11 ) : آية 78 ]

وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ قالَ يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَ لَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ ( 78 ) الشرح :
وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ
أي : لما أخبرت امرأة لوط قومها بأضياف لوط جاء قومه يركضون ويسرعون ، وقيل : يسوق بعضهم بعضا ؛ لأن الفعل بمعنى : ( يساقون ) ، فقيل : هذا الفعل ملازم للبناء للمفعول ، مثل أولع ، يولع ، والصواب : أنه يأتي بصيغة المبني للفاعل ، وبه قرأ جماعة ويكون من الباب الثالث ، مثل فتح يفتح ، ولكن الأول أكثر ، وأشهر ، قال مهلهل : [ الوافر ]
فجاءوا يهرعون ، وهم أسارى * نقودهم على رغم الأنوف
وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ
أي : من قبل مجيء الرسل ، وقيل : أي : من قبل مجيء لوط إليهم كانوا يعملون الأعمال الخبيثة ، والفاحشة القبيحة ، وهي إتيان الرجال في أدبارهم .
قالَ يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ
أي : قال لوط عليه السّلام لقومه . . . إلخ : فدى أضيافه ببناته كرما وحمية ، والمعنى هؤلاء بناتي فتزوجوهن ، وكانوا يطلبونهن منه فلا يجيبهم لخبثهم ، وعدم كفاءتهم لهن ، لا لحرمة المسلمات على الكفار ، فإنه شرع طارئ . وقال مجاهد وسعيد بن جبير - رضي اللّه عنهما - : أراد بنات نساء قومه ، وأضافهن إلى نفسه ؛ لأن كل نبي أبو أمته ، وهو كالوالد لهم حيث الشفقة والتربية ، وهذا القول أولى ؛ لأن إقدام الإنسان على عرض بناته على الأوباش ، والفجار مستبعد ، لا يليق بأهل المروءة ؛ فكيف بالأنبياء ! وأيضا فبناته لا تكفي الجمع العظيم ، أما بنات أمته ففيهن كفاية للكل . هذا ؛ وأطهر ليس على بابه من التفضيل ، وإنما هو كلام خرج مخرج المقابلة كقوله تعالى :
أَ ذلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ
ومعلوم أن شجرة الزقوم لا خير فيها ، وكقوله صلّى اللّه عليه وسلّم حين قال كفار قريش يوم أحد : اعل هبل ، فقال : « اللّه أعلى وأجلّ » ؛ إذ لا مماثلة بين اللّه تعالى والصنم .
فَاتَّقُوا اللَّهَ
: خافوه وراقبوه واتركوا ما أنتم عليه من الكفر ، وفعل الفواحش ، والقبائح ؛ التي لم يفعلها غيركم .
وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي
أي : لا تهينوني ولا تذلوني ، ومنه قول حسان - رضي اللّه عنه - : [ الطويل ]
فأخزاك ربّي يا عتيب بن مالك * ولقّاك قبل الموت إحدى الصواعق
مددت يمينا للنّبيّ تعمدا * ودمّيت فاه قطّعت بالبوارق
ويجوز أن يكون من الخزاية ، وهو الحياء ، والخجل ، قال ذو الرمة : [ البسيط ]
خزاية أدركته بعد جولته * من جانب الحبل مخلوطا بها الغضب