تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 62

مساهمون:

ص٦٢

[ سورة المائدة ( 5 ) : آية 18 ]

وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ( 18 ) الشرح :
وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى . . .
إلخ : قال ابن عبّاس - رضي اللّه عنهما - : خوّف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم جماعة من اليهود العقاب ، فقالوا : لا نخاف ، فإنّا أبناء اللّه ، وأحباؤه ، فنزلت الآية الكريمة فيهم ، وفي النّصارى . وقال السّدّي - رحمه اللّه تعالى - : زعمت اليهود أنّ اللّه - عزّ وجل - أوصى إلى إسرائيل - عليه السّلام - : أنّ ولدك بكري من الولد ، وقال غيره : والنّصارى قالت : نحن أبناء اللّه ؛ لأنّ في الإنجيل حكاية عن عيسى - عليه السّلام - : أذهب إلى أبي ، وأبيكم . وقيل : المعنى نحن أبناء رسل اللّه ، فهو على حذف مضاف ، أو المعنى : نحن أتباع ابنيه : عزير ، والمسيح ، أو مقرّبون عنده قرب الأولاد من والدهم . وبالجملة : فقد كانوا ، ولا يزالون يدّعون : أنّ لهم فضلا ، ومزيّة عند اللّه على سائر الخلق .
قُلْ :
الخطاب لسيد الخلق ، وحبيب الحق صلّى اللّه عليه وسلّم :
فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ
أي : إن صحّ ما زعمتم ؛ فلم يعذبكم بذنوبكم ؟ وقد عذّبكم في الدّنيا بالقتل ، والأسر ، والمسخ ، وتشتيت الشّمل ، واعترفتم بأنّه سيعذّبكم في الآخرة بالنّار أياما معدودة بعدد الأيام التي عبد فيها آباؤكم العجل ، ولا يعذّب الوالد ولده ، ولا الحبيب حبيبه ؛ فإذا أنتم كاذبون في دعواكم البنوة ، والمحبّة . هذا ؛ وقيل : معنى :
يُعَذِّبُكُمْ :
عذّبكم ، فهو بمعنى المضي ، ولا بأس به ؛ إذ المعنى عليه .
بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ
أي : أنتم بشر من جملة المخلوقات ؛ الّتي خلقها اللّه تعالى ، ولكم ما لهم ، وعليكم ما عليهم ، يحاسبكم على أعمالكم ، ويجازي كلّا بما عمل .
يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ :
لمن يستحقّ المغفرة بسبب توبة ، أو طاعة .
وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ :
من يستحقّ العذاب بسبب كفره ، أو إدمانه المعاصي ، والمنكرات .
وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ . . .
إلخ : انظر الآية السّابقة .
وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ :
إليه المرجع ، والمال في الآخرة يحاسب كلّ إنسان على ما قدّمت يداه . هذا ؛ وبين :
يَغْفِرُ
و ( يعذب ) طباق ، وهو من المحسّنات البديعيّة .
الْيَهُودُ :
سمّوا بذلك نسبة إلى « يهودا بن يعقوب » وهو أكبر أولاده ، وقد عبّر عنهم القرآن في كثير من المواضع ب :
الَّذِينَ هادُوا *
فهو مثل الأوّل . أو سمّوا بذلك لمّا تابوا من عبادة العجل ، من : هاد بمعنى : تاب ، ورجع ، ومنه قوله تعالى حكاية عن قولهم في سورة ( الأعراف ) :
إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ .
هذا ، وماضي :
يَشاءُ :
شاء ، ولم يرد له ، ولا ل : أراد ، يريد أمر فيما أعلم ، وأصل شاء شئ على فعل بكسر العين بدليل قولك : شئت شيئا ، وقد قلبت الياء ألفا لتحركها ، وانفتاح ما