تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 450

مساهمون:

ص٤٥٠
فيأمروكم بعبادة الأصنام ، واتباع البدع ، والأهواء الفاسدة . والضمير يعود ل :
ما أُنْزِلَ ،
قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ
أي : تذكرا قليلا ، أو زمانا قليلا تذكرون ؛ حيث تتركون دين اللّه ، وتتبعون غيره .
رَبِّكُمْ :
المراد به خالقكم ، ورازقكم . هذا ؛ والرب يطلق ، ويراد به المالك ، والسيد ، ومنه قوله تعالى :
ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ
وقوله جل شأنه :
فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً
كلتا الآيتين محكية عن قول يوسف ، عليه السّلام ، كما يقال : رب الدار ، ورب الأسرة ، أي : مالكها ، كما يراد به المربي ، والمصالح ، ويقال : ربّ فلان الضيعة يربها : إذا أصلحها ، واللّه سبحانه وتعالى مالك العالمين ، ومربيهم ، وموصلهم إلى كمالهم شيئا فشيئا ، يجعل النطفة علقة ، ثم يجعل العلقة مضغة ، ثم يجعل المضغة عظما ، ثم يكسو العظم لحما ، يصوره ، ويجعل فيه الروح ، ثم يخرجه خلقا آخر ، وهو صغير ضعيف ، فلا يزال ينميه ، وينشيه ؛ حتى يجعله رجلا . ولا يطلق الرب على غيره تعالى إلا مقيدا بالإضافة ، مثل قولك : رب الدار ، ورب الناقة ، ونحو ذلك . والرب : المعبود بحق ، وهو المراد منها تعالى عند الإطلاق ، ولا يجمع إذا كان بهذا المعنى ، ويجمع إذا كان معبودا بالباطل ، قال تعالى حكاية عن قول يوسف - عليه الصلاة والسّلام - لصاحبي السجن :
أَ أَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ
كما يجمع إذا كان بأحد المعاني السابقة ، قال الشاعر : [ الطويل ]
هنيئا لأرباب البيوت بيوتهم * وللاكلين التّمر مخمس مخمسا
وهو اسم فاعل ، أصله : رابب ، ثم خفف بحذف الألف ، وإدغام أحد المثلين في الاخر . ( دون ) : من الدنو ، وهو القرب ، ومنه تدوين الكتب ؛ لأنه إدناء ، أي : تقريب البعض من البعض ، ثم استعير للرتب ، فيقال : زيد دون عمرو ، أي : في الشرف ، والسيادة . ثم اتسع فيه ، فاستعمل في كل تجاوز حد إلى حد . هذا ؛ ويأتي « دون » بمعنى قدام ، قال الشاعر : [ الطويل ]
تريك القذى من دونها وهي دونه * إذا ذاقها من ذاقها يتمطّق
هذا ، ومثله : « أدنى » وألفه منقلبة عن واو ؛ لأنه من : دنا يدنو : إذا قرب ، وله معنيان : أحدهما : أن يكون المعنى ما تقرب قيمته بخساسته ، ويسهل تحصيله . والثاني أن يكون بمعنى القريب منكم لكونه في الدنيا ، والذي هو خير ما كان من امتثال أمر اللّه ؛ لأن نفعه متأخر إلى الآخرة ، خذ قوله تعالى لليهود اللؤماء :
أَ تَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ .
وقيل : الألف مبدلة من همزة ؛ لأنه مأخوذ من : دنؤ ، يدنؤ ، فهو دنيء ، والمصدر : الدناءة ، وهو من الشيء الخسيس ، فأبدل الهمزة ألفا . وقيل : أصله : أدون ، من الشيء الدون ، فأخرت الواو ، فانقلبت ألفا ، فوزنه الان : أفلع . انتهى . عكبري .
أَوْلِياءَ :
جمع : ولي ، وهو الذي يتولى شؤون غيره . هذا ؛ والولي أيضا هو الذي يتحبب إلى اللّه بعبادته ، وطاعته . هذا ؛ ويأتي الولي بمعنى المعين ، والمساعد ، والنصير . والفرق بين الولي وبين ما ذكر : أن الولي قد يضعف عن النصرة ، والمعاونة ، والنصير قد يكون أجنبيّا عن المنصور ، والمعان ، والمساعد ، فبينهما عموم وخصوص من وجه . هذا ؛ ويقرأ تذكرون بالتاء ، والياء .
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 450 | الشيخ محمد علي طه الدرة