تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 38

مساهمون:

ص٣٨
آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ
والآية التي نحن بصدد شرحها من ذلك ، ومن الثاني قوله تعالى في سورة ( الحج ) رقم [ 72 ] :
قُلْ أَ فَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ،
وأنشدوا قول الشاعر : [ الطويل ]
إذا وعدت شرّا أتى قبل وقته * وإن وعدت خيرا راث وعتّما
كما يستعمل « أوعد » فيهما أيضا ، كقولك : أوعدت الرجل خيرا ، وأوعدته شرّا . هذا ؛ والمركّز في الطّبائع : أن من مكارم الأخلاق ، وجميل العادات : أنّك إذا وعدت غيرك أن تنزل به شرّا ؛ كان الخلف محمدة ، وإذا وعدته خيرا ؛ كان الخلف منقصة ، وهذا ما أراده طرفة في بيته المتقدّم . هذا ؛ والثابت عند الأشاعرة : أنّه يجوز إخلاف الوعيد في حقّه تعالى كرما . وعند الماتريدية : لا يجوز ، وأمّا الوعد ؛ فلا يجوز الخلف في حقّه تعالى اتفاقا ؛ لأنّه نقص . دليل الأشاعرة قول النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « من وعده اللّه على عمل ثوابا ؛ فهو منجز له ، ومن أوعده على عمل عقابا فهو بالخيار ، إن شاء عذّبه ، وإن شاء عفا عنه » .
وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
أي : عملوا الأعمال الصالحات على اختلافها ، وتفاوت مراتبها في دنياهم . والمراد : وفوا بعهودهم التي قطعوها لغيرهم على أنفسهم ، وقاموا بالعدل التي تضمّنته الآية السابقة .
لَهُمْ مَغْفِرَةٌ
أي : لذنوبهم .
وَأَجْرٌ عَظِيمٌ
لا تعرف كنهه أفهام الخلق ، كما قال تعالى في سورة ( السجدة ) :
فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ ،
وإذا كان اللّه تعالى قال :
أَجْرٌ عَظِيمٌ
و
أَجْرٌ كَبِيرٌ *
و
أَجْرٍ كَرِيمٍ *
فمن الذي يقدر قدره ؟ ! واللّه أعلم بمراده ، وأسرار كتابه . الإعراب :
وَعَدَ :
فعل ماض .
اللَّهُ :
فاعله .
الَّذِينَ :
اسم موصول مبني على الفتح في محلّ نصب مفعول به أول ، وجملة :
آمَنُوا . . .
إلخ صلة الموصول ، لا محلّ لها . ( عملوا ) : فعل ماض مبني على الضم ، والواو فاعله ، والألف للتفريق .
الصَّالِحاتِ :
مفعول به منصوب ، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة ؛ لأنّه جمع مؤنث سالم ، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها ، لا محلّ لها مثلها ، والمفعول الثاني محذوف لدلالة الجملة الاسمية عليه ، تقديره : مغفرة لذنوبهم . وقيل : الجملة الاسمية هي المفعول الثّاني ، ومثله قول عبد العزيز الكلابي : [ الوافر ]
وجدنا الصّالحين لهم جزاء * وجنّات وعينا سلسبيلا
فجملة :
لَهُمْ
جزاء في محل نصب مفعول به ثان ، فلذلك عطف عليها « جنات » بالنّصب .
لَهُمْ :
جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدّم .
مَغْفِرَةٌ :
مبتدأ مؤخر ، والجملة الاسمية مستأنفة على الوجه الأول في المفعول به ، وهي في محل نصب مفعول به ثان على الوجه الثاني فيه .
وَأَجْرٌ
معطوف على :
مَغْفِرَةٌ .
عَظِيمٌ :
صفة له ، وجملة :
وَعَدَ . . .
إلخ مستأنفة لا محلّ لها .