تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 36

مساهمون:

ص٣٦
تَعْدِلُوا
أي : ولا يحملنّكم عداوة قوم ، وبغضهم على عدم العدل ، وعلى الجور . وهذا يشمل كلّ ما يقع بين الناس من عداوة ، سواء أكانوا مسلمين جميعا ، أم مسلمين ، وكافرين ، وإن نزلت الآية بشأن عداوة الكافرين للمسلمين ، فأمر اللّه المؤمنين بالعدل مع المشركين الذين ناصبوهم العداء ، فلا ينقضوا لهم عهدا ، ولا يقتلوا نساء ، وصبية ، وشيوخا تشفيا ممّا في قلوبهم من الغيظ . هذا و ( الشنآن ) : البغض ، والعداوة ، كما رأيت في الآية رقم [ 2 ] ، وهو مصدر من : شنأته ، أشنؤه ، شنآنا - بالتّحريك - وقال ابن جرير : من العرب من يسقط التحريك في ( شنآن ) ، فيقول : شنان ولم أعلم أحدا قرأ بها ، ومنه قول الشاعر : [ الطويل ]
وما العيش إلّا ما تحبّ وتشتهي * وإن لام فيه ذو الشّنان وفنّدا
عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا
انظر الآية رقم [ 135 ] من سورة ( النساء ) فإنّه جيد ، والحمد للّه ! .
هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى
أي : عدلكم أقرب للتقوى من تركه . ودلّ الفعل على المصدر الّذي عاد عليه الضمير ، كما في قوله تعالى في سورة ( النور ) :
وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكى لَكُمْ
وقوله تعالى :
هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى
من باب استعمال أفعل التفضيل في المحلّ الذي ليس في الجانب الآخر منه شيء ، كما في قوله تعالى في سورة ( الفرقان ) :
أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا
وكقول بعض الصّحابيّات لعمر - رضي اللّه عنه - : أنت أفظّ ، وأغلظ من رسول اللّه ، ومعلوم : أنّه صلّى اللّه عليه وسلّم منزّه عن الفظاظة ، والغلظة .
وَاتَّقُوا اللَّهَ :
خافوه ، واحذروا عقابه .
إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ
أي : وسيجزيكم على ما علم من أعمالكم الّتي عملتموها إن خيرا ؛ فخير ، وإن شرّا ؛ فشرّ . هذا ، وقال الزمخشري - رحمه اللّه تعالى - : وفي هذا تنبيه عظيم على أنّ العدل إذا كان واجبا مع الكفار ؛ الّذين هم أعداء اللّه ، وكان بهذه الصّفة من القوّة ، فما الظنّ بوجوبه مع المؤمنين الّذين هم أولياؤه ، وأحباؤه . بل كيف بوجوبه مع أهل بيته ، أي : أولاده ، وزوجته ؟ ! وقد ثبت في الصّحيحين عن النّعمان ابن بشير - رضي اللّه عنهما - : أنّه قال : نحلني أبي نحلا ، فقالت أمّي عمرة بنت رواحة : لا أرضى حتى تشهد عليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فجاءه يشهده على صدقتي ، فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « أكلّ ولدك نحلت مثله ؟ » قال : لا ! قال : « اتّقوا اللّه واعدلوا في أولادكم » . وقال : « إنّي لا أشهد على جور » . قال : فرجع أبي ، فردّ تلك الصّدقة . وخذ ما يلي : عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص - رضي اللّه عنهما - قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنّ المقسطين عند اللّه على منابر من نور عن يمين الرّحمن - وكلتا يديه يمين - ؛ الّذين يعدلون في حكمهم ، وأهليهم ، وما ولوا » . رواه مسلم ، وغيره . الإعراب :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا :
انظر الآية رقم [ 1 ] .
كُونُوا :
فعل أمر ناقص مبني على حذف النون ؛ لأنّ مضارعه من الأفعال الخمسة ، وواو الجماعة اسمه ، والألف للتفريق .
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 36 | الشيخ محمد علي طه الدرة